يوم عادي في حياة مهرج!
أسامة علام
2026 يونيو 15
حكايا الأدب, حكايا الإنسان, حكايا الفن
للمهرج العجوز عائلة كبرى، وقلب يتسع للجميع، وألم روماتيزم ينهش مفاصله. لا يتذكر على وجه الدقة متى بدأ التهريج، لكنه يعلم أنه لم يأخذ الحياة يوماً على محمل الجد؛ فقد كان دائماً مهرجاً بالفطرة؛ طفلاً يمزح، وزوجاً يداعب، وأباً يضحك. أما مهنته الحالية في هذا السيرك المكسيكي الصغير الدوار، فليست سوى “مكافأة نهاية الخدمة” بعد أن أنهى حياته الوظيفية في الخمسين من عمره كمدير بنك أهلي.
لا يمكنه تعريف هويته بشكل قاطع، وهو يقصد جذوره الإيطالية لعائلة لم تطأ أقدامها إيطاليا قط، ويربط الأمر بعقله المشوش لإيجاده الإيطالية، وحبه الشديد لـ”السباغيتي”، متخيلاً أن مقطع “وني” المذيل لاسم عائلته “مرلسكوني” يعود للسبب ذاته.
تعلم مع الأيام أن دهان الركبتين صباحاً أمر مقدّس لبدء يومه طبيعياً، أما ألم ظهره الخفي فيعزوه لضرورة تغيير مرتبته اللعينة، وهو أمر أجله كثيراً، وسيؤجله ليوم آخر. كباقي البشر يأخذ دشه الصباحي، وإن كان يوقن داخلياً بأن كثيراً من النساء اللاتي مررن بحياته لم تكن لهن روائح تتفق مع نظرية أن الجميع يستحمون صباحاً. لكنه بالتأكيد يحتاج هذا الدش ليزيل بقايا مساحيق عرض الليلة الماضية.
لا يفضل ارتشاف قهوته في كافتيريا السيرك؛ فلاعبو الأكروبات وفتيات الاستعراض صاخبون للغاية ولا يكفون عن الهتاف ترحيباً به، لذا يبحث عن مقهى صغير بالجوار، بعد أن أصبحت معدته حساسة فتوقف عن تناول التوست والزبدة وصار يسكب الكثير من الحليب فوق قهوته.
بعد الإفطار يعود إلى عربته ليلتقي بـ “ماكس” صديقه الأهم وكلب السيرك والحيوان الوحيد المتبقي فيه، متفهماً أن السلطات في أمريكا منعت الاستعانة بالحيوانات بضغط من جماعات الرفق بالحيوان، لكنه كان يتمنى لو تسنى له مشاهدة عروضهم الأسطورية. وبمساعدة “ماكس”، ينجح في إبقاء حفيدته لدقائق أطول على شاشة الهاتف عبر “الماسنجر”، وهي الوحيدة التي ترد عليه من عائلته الكبيرة؛ فالأولاد مستغرقون في مسؤولياتهم، يتصل بهم فلا يجيبون، ويكتفون بمكالمة كل بضعة أيام. يدرك جيداً صدق مشاعرهم فيهز رأسه مؤكداً لنفسه أن العلاقات تسير هكذا دائماً، ولا علاقة للأمر بكونه مجرد مهرج عجوز.
قبل العرض بساعة، يتناول وجبته الأهم التي تحضرها له إحدى الفتيات الصغيرات من مطعم السيرك، ولأنه بات ينسى أسماءهن يناديهن جميعاً “يا حلوتي”، ويستمتع بمشاغباتهن حين يطلقن عليه “ألكس صاحب الأنف الكبير”، وهو لا يعتقد أن أنفه بهذا الحجم، ملقياً باللوم على الأنف البلاستيكي الذي يرتديه لسنوات.
في السابعة مساءً يبدأ الاستعداد لعرض الثامنة. يمر عليه مدير السيرك السمين ليتأكد أنه لا يزال على قيد الحياة، ويعرف ألكس قدومه من خطواته الثقيلة التي تجعل سلم العربة يئن، فيهب مسرعاً ليجلس أمام المرآة مرتسماً ابتسامة واسعة لاستقباله.
يضع مساحيق التجميل أولاً؛ إذ أصبحت يداه أكثر خفة وسرعة في بسط الألوان، وتخرج اللوحة كل ليلة بصورة مرضية يعجز هو نفسه عن تذكر ملامحه الحقيقية من خلالها. ينهض ليرتدي واحدة من بدله الثلاث الفضفاضة ذات الألوان المبهجة. ساعتها فقط، يقف أمام المرآة ليثبّت الأنف المطاطي الأحمر، وبلا أي دراما، يتحامل على آلام مفاصله ويدس قدميه في الحذاء الأصفر العملاق، ويخطو نحو الحلبة بخطوات يحاول جاهداً أن تبدو طبيعية، بانتظار ضحكات الجمهور التي تعيد إليه الحياة.