ثمة لحظة تتكرر في عوالم منصورة عز الدين الروائية، حتى باتت تشكل بصمتها الخاصة؛ وهي أنه ما إن يشعر القارئ بإمساكه بالخيط الأخير للحكاية، حتى يكتشف أن الزمن قد أعاد ترتيب الأشياء؛ فما بدا ماضياً يعود حاضراً، وما كان يقيناً يستحيل احتمالاً، في مواجهة مفتوحة مع سؤال مربك: هل وقع ما نتذكره حقاً كما نتخيله؟
من هذه العتبة، يمكن الولوج إلى مشروعها الإبداعي؛ فالزمن في أعمالها ليس مجرد إطار للأحداث، بل هو الشخصية الأكثر نفوذاً، والقوة الخفية القادرة على إعادة تشكيل الذاكرة. يدفع الزمن أبطالها إلى مناطق التماس حيث يختلط الواقع بالحلم، والتاريخ بالأسطورة. ولعل هذا الانشغال بالذاكرة والحكاية الشعبية يفسر الحضور الطاغي للعالم الريفي في أعمالها؛ إذ تتجاور الوقائع الملموسة مع المرويات الشفاهية دون حدود فاصلة.
وفي هذه العوالم، لا تبدو الغرائبية وسيلة للهروب من الواقع، بل هي أداة لكشف هشاشة العالم المألوف؛ ذلك العالم الذي يخفي شقوقاً صغيرة يتسرب منها الخيال لتصبح الحقيقة نفسها موضع شك؛ فالحلم عندها ليس نقيضاً للحقيقة، والأسطورة ليست خصماً للتاريخ، بل هي عدسة أخرى لفهم الإنسان ومخاوفه الوجودية.
بدأت منصورة عز الدين نشر قصصها في سن مبكرة، عقب دراستها للإعلام بجامعة القاهرة وعملها في الحقل الصحفي، لتصدر مجموعتها الأولى “ضوء مهتز” عام 2001م، وتتوالى بعدها أعمالها البارزة مثل: “وراء الفردوس”، و”جبل الزمرد”، و”أطلس الخفاء”، و”متحف الأخطاء”. وأكثر ما يميز هذه المدونة الروائية هو انشغالها الدائم بالأحلام، والذاكرة، والاحتمالات المفتوحة؛ وهو المشوار الذي تكلل بحصدها جوائز مرموقة، منها: جائزة ابن بطوطة لأدب الرحلة، وجائزة أفضل عمل أدبي في معرضي الشارقة والقاهرة الدوليين للكتاب.
الكاتبة والروائية منصورة عز الدين
واللافت في مشروع عز الدين، أنها لا تصنع أبطالاً استثنائيين، بل هم بشر عاديون يحملون أسئلة غير عادية؛ يعيشون قلقاً صامتاً خوفاً من خيانة ذاكرتهم لهم، حيث تتراجع الحقائق كلما اقتربوا منها. ومن هنا، تتحول البيوت، والحدائق، والممرات، والغرف المغلقة إلى شخوص كاملة، لها ذاكرتها الخاصة وتفرض إيقاعها على من يسكنها.
يتجلى هذا بوضوح في “وراء الفردوس”؛ حيث تتجاور الذاكرة الشخصية مع الإرث العائلي، ليغدو السؤال عن الانتماء أكثر إلحاحاً من الواقع نفسه. وفي “جبل الزمرد”، تشيد عالماً أسطورياً يعكس مخاوف الإنسان المعاصر من عزلته. أما “متحف الأخطاء”، فيواصل هذا المسار عبر تأمل فكرة “الخطأ” بوصفها جزءاً أصيلاً من التجربة الإنسانية لا مجرد انحراف عنها، وكأنها تدعو القارئ للنظر في الهشاشة باعتبارها أحد مصادر القوة.
وتأتي لغتها امتداداً طبيعياً لهذا التصور؛ فهي لغة هادئة، مقتصدة، بعيدة عن الزخرفة، تترك للقارئ مساحة واعية ليصنع المعنى بنفسه، مراهنةً على أن الأساطير ـ كالذكريات تماماً ـ لا تغادر الوجدان بسهولة بل تتوارثها الأجيال. إنها لا تحتفي بالغرابة من أجل الإدهاش المجرد، بل لأن العالم نفسه بات أكثر غرابة، في محاولة جادة للتعرف على أسباب تحول الذاكرة إلى وطن بديل، غدا أكثر حضوراً من الواقع الذي نعيش فيه.
عن هاني سمير
الكاتب هاني سمير
كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22".
في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.