أحدث الحكايا

حين يتداعى البطل الأسطوري.. بين الأوديسة والحرافيش

في المعالجة السينمائية لـ “الأوديسة” (The Odyssey)، يصحبنا المخرج كريستوفر نولان في رحلة عودة “أوديسيوس” إلى “إيثاكا”؛ لا بوصفه بطلاً أسطورياً خارقاً، بل إنساناً أرهقته الحروب والصراعات، يحدوه أمل العودة إلى دياره ليعيش بسلام مع زوجته وابنه، بعد أن تركت المعارك أثارها على جسده ونفسه. وهذه النقلة من الأسطورة إلى جوهر الإنسان، نجد صداها عميقاً في عالم نجيب محفوظ الأدبي.

 

 

 

في “أولاد حارتنا”، يتخذ محفوظ من الحارة المصرية مسرحاً لرمزية أسطورية؛ حيث يسرد حكاية أبناء “الجبلاوي” وأحفاده بعد تجريدهم من المرويات القديمة، لتتحول القصة إلى سير لبشر عاديين يواجهون الحياة في صراع دائم على السلطة والمعرفة والعدل. فـ “الحارة” هي العالم، و”أولاد حارتنا” هم البشر الذين تعاقبت أجيالهم حالمين بتحقيق العدالة والمساواة والخلاص من تسلط الفتوات.

هكذا جسد محفوظ معاناة الحارة بعد أن انزوى “الجبلاوي” في بيته الكبير، تاركاً أبناءه لمصائرهم؛ ليتحول مع مرور الزمن إلى أسطورة تُروى، بينما انشغل أبناؤه بمواجهة عصف الحياة والمطالبة بكرامة الحرافيش واسترداد حقوقهم.

 

 

 

ولم يبتعد محفوظ عن هذا المنزع في ملحمة “الحرافيش”، الرواية التي نسجت من الواقع أسطورة شعبية؛ إذ يتحول “عاشور الناجي” بعد غيابه إلى ذاكرة جماعية ورمز ناصع للعدل. تتوارث الأجيال حكايته، وتحلم بعودته أو بظهور من يحمل قبسه ليحقق العدل المفقود. وهذا الانتظار يشبه في جوهره حال أهل “إيثاكا” وهم يترقبون عودة “أوديسيوس”؛ حيث يتقاطع المساران في أن الأسطورة ليست رحلة بطل لا يُقهر، بل سعي إنساني لا ينتهي نحو الهوية والعدل والانتماء.

 

 

وبين المعالجة السينمائية لـ “الأوديسة” وعوالم “أولاد حارتنا” و”الحرافيش”، نكتشف كيف يُفكك مفهوم الأسطورة للنفاذ إلى حقيقة الإنسان ومواجهته لمصيره؛ سواء كان مكلومات أضنته الجراح، أو غائباً يتسامى بالزمن ليصير رمزاً. فربما تكون الأسطورة الحقيقية هي قصتنا جميعاً: إنسان يتعثر، ويخطئ، ويغيب، ثم ينهض من جديد.

 

 

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *