ابن الكيزاني هو رائدَ شِعْر التصوُّف في العصر الفاطمي بمصر، وقد استقدم في النصف الثَّاني من القرن السادس الهجري مُتصوفةً من المشرق والمغرب إلى مصر من أبرزهم عبد الرحيم القناوي (المغربي ابن سَبْتة الذي قضى واحدًا وأربعين عامًا من عمره في صعيد مصر) وأبو الحجَّاج الأقصري (ولد ببغداد أوائل القرن السادس الهجري وتوفي بالأقصر سنة 642 هـجرية)، ولابن الكيزاني كتابان في الوعظ والإرشاد هما “الرقائق” و”مليك الخطب”، والذي لم يهتم بحياته وشعره – على ما أعرفُ – سوى الدكتور على صافي حسين من مصر.
كتاب «ابن الكيزاني» للدكتور علي صافي حسين
وكان الكيزاني عارفًا عالمًا زاهدًا، ارتحل إلى بلاد الشام والموصل وبغداد ومكَّة والمدينة سعيًا في طلب العلم، واشتغل بعد ذلك بالتدريس، وهو من فُضلاء المائة السادسة، وقد وصفَ العماد الأصبهانيُّ (1125 – 1201ميلادية/ 519 -597 هـجرية) شِعرَه بالقول:
هو “عالمٌ بالأصُول والفُرُوع- الفقه وأصوله، عالمٌ بالمعقُول والمشرُوع- المعارف الفلسفية والعُلوم العقلية -، مشهُودٌ له بألسنة القبول، مشهُورٌ بالتحقيق في علم الأصول- التوحيد أو علم الكلام -. وكان ذا روايةٍ ودرايةٍ بعلم الحديث، ومعرفة بالقديم مكون الحديث،وله ديوانُ شعرٍ يتهافتُ الناسُ على تحصيله وتعظيمه وتبجيله لما أودَعَ فيه من المعنى الدقيق، واللفظ الرشيق، والوزن المُوافق، والوعظ اللائق، والتذكير الرَّائع الرَّائق، والقافية القافية آثار الحكم، والكلمة الكاشفة أسرار الكرم وهو شيخٌ ذو قبول، وكلام معسُول، وشِعْر خالٍ من التصنُّع مغسُول،…”
اتسم بالعطف والتواضُعِ وكان من عُبَّاد “الفسطاط”- كانت عاصمة مصر لما يقرب من خمسمائة عام، وتُعدُّ أوَّلَ وأقدمَ العواصم الإسلامية إذْ بُنيتْ بعد الفتح العربي الإسلامي لمصر في عام (21هـجرية/ 641ميلادية)-، ملازمًا مُعتزلًا في جبل المقطَّم الذي دُفِنَ فيه بعد ذلك، مثلما دُفن فيه الأقطابُ الصُّوفيون عُمر بن الفارض، وابن عطاء الله السكندري، وذُو النُّون المصري، وسواهم، وجبل المُقطَّم بشكلٍ عام كان مكانًا يرتادُهُ المُتصوفة ويعيشون فيه،بل رأوه قِبلتَهُم،وكان سفحُهُ مرقدًا لهم.
جانب من أضرحة المتصوفة في جبل المقطم
عن أحمد الشهاوي
أحمد الشهاوي، شاعر وكاتب مصري من مواليد 1960. له دواوين شعرية عديدة، وإصدارات نثرية في أدب العشق والتصوف وفلسفة الدين، ورواية أخيرة هي "حجاب الساحر". تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة منها الإنجليزية، والهولندية، والفرنسية، والإسبانية، والتركية، وغيرها، عضو في الموسوعة العالمية للشعر Who's who منذ عام 1992. أجريت دراسات عديدة وأطروحات ماجستير ودكتوراه حول كتاباته وأساليبه والظاهرة الصوفية في أشعاره، ودراسات حول أساليب وتقنيات ترجمة أعماله الشعرية إلى لغات مختلفة.