في طفولتي كان شوال الخيش مرادفًا لما لا قيمة له، شيئًا بلا ثمن، قديمًا غالبًا كأنه لم يكن جديدًا أبدًا، موجودًا في كل مكان، غير مرئي، تحتاجه فتمد يدك لتستخدمه، تجلس عليه في الغيطان وأنت تلعب السيجة مع الأصدقاء. تُلقي فيه الأحذية والشباشب القديمة ربما تحتاجها في المستقبل، وغالبا تنسى أين ألقيت الشوال بما فيه.
تضع فيه قطع الفحم التي تستخدم في راكية النار أو لولعة حجر الجوزة لمن يشربونها. تلف به قطعة من الحديد المشحم في ورشة جدي. أو يكون “الغبيط” الموضوع على الحمار وبه فتحة من كل جانب لنقل “السباخ” أو روث البهائم وغيره، مصنوعًا من الخيش. بعض الناس يسمون أولادهم خيشة، ولا تملك سوى أن تتعاطف مع الأولاد المساكين وتلعن “سنسافيل” آبائهم!
لم تتغير قيمة الخيش؛ شوالًا أكان أم كيسًا، ولم أفكر فيه أبدًا، حتى أصبح فجأة مصدرًا للرعب وللتأمل أيضًا.
القليل من الفلاحين في قريتي من رأيتهم يضعون كيس الخيش على رؤوسهم ليقيهم حر الشمس، هو شوال صغير مخيط بحيث يصبح كالحجاب المبطط تضعه على الرأس فيشبه قبعة نابليون بونابرت مع فارق الألوان والخامة والرأس! كان جميلًا في فيلم “أميرة حبي أنا” وبداخله سمير غانم ومنى قطان وغيرهما وهم يقفزون به، وتخيلت أنه سيكون أجمل إذا أدخلت فيه سعاد حسني قدميها، ورفعته حتى صدرها، وأخذت تقفز به، وسيكون أجمل وأجمل إذا كنتُ معها في نفس الشوال! وكان الشوال مفيدًا دائمًا والفلاحات يعبئنه بالذهب الأبيض/القطن.
لم تتغير قيمة الخيش؛ شوالًا أكان أم كيسًا، ولم أفكر فيه أبدًا، حتى أصبح فجأة مصدرًا للرعب وللتأمل أيضًا.
في روايتها “الطنطورية”، تكتب د. رضوى عاشور على لسان الراوية الفلسطينية التي نجت من مذبحة الصهاينة البشعة لأهالي قرية الطنطورة، فتحكي قصة الشتات الفلسطيني الذي بدأ في عام 1948، ولم ينته حتى الآن، ويبدو أن ليله سيطول لأننا في عالم فقد إنسانيته ولا يرغب في استعادتها.
تقول رقية: “رأيت “كيس الخيش”: رجل يقف بجوار عسكر اليهود ورأسه مغطى بكيس من الخيش به ثقبان يسمحان لعينيه بالرؤية. كان الضابط يتطلع في ورقة في يده وينادي أسماء الرجال فيجيب صاحب الاسم أو لا يجيب. عندما لا يجيب يتقدم كيس الخيش ويشير إليه. أحيانًا يشير بدون نداء. ما إن يشير كيس الخيش إلى شخص حتى يُطلعوه. يأخذون مجموعة من الرجال، خمسة أو ستة أو سبعة ويختفون. هل يأخذونهم إلى السجن في زِخرون يعقوف؟ نسمع صليات من الرصاص”. صـ61.
لم يذهبوا بهم إلى السجن، كانوا يحرصون على إبادة كل رجل وشاب قادر على حمل السلاح.
أرعبني الموقف جدًا، لم أستطع إكمال الرواية وقتها. توقفت بعض الوقت حتى أستطيع العودة إليها، وكأن ما تصفه رقية من وحشية الصهاينة وأفعالهم الشيطانية لم يرعبني بقدر رعبي من تخيل هاتين العينين اللئيمتين تشيران إلى رجل ربما أكل صاحبها معه، أو شرب الشاي المنعنع، أو قدم له معروفًا ما وجاء ليرده بأن يقوده إلى القتل بمجرد إغماضة عين أو هزة رأس، ما الثمن أيها الشيطان؟ ما الثمن؟

شهرزاد

موضوع رائع وفكرة مبتكرة مواكبة للأحداث
رائعة . تكشف مأساة مجهولة لنا
هذا النوع من النصوص هو ما أسميه السكيتش القصصي، هو نص إبداعي ينموضع بين المقالة والقصة فلا هو هذه واا هو تلك، يقوم غالبا على مهارة الكاتب في الوصف والتصوير.. أحسنت أيها البمبدع المتالق
موضوع مثير للاهتمام
عمري ما تخيلت أن أحدًا سيتطرق للحديث عن كيس الخيش
الأسلوب ممتع جدا ومركز بطريقة عملية
موضوع مثير للاهتمام
مكتوب بطرية شيقة ومركزة
موضوع رائع وشيق جدا بخيال كيس كان مهمل الاهتمام بوظيفته في الماضي، جاء بوجه آخر يحمل مجموعة من الأفعال كانت بعيدة عن تفكير طويل ، عن ماهية هذه القطعة التي بدت تخفي وراءها عناوين حاضرة بقوة تم تفاعلها بأحداث تدور حولنا ، لكن للاسف منذ زمن كنا نتخلص منها غير عابئين بها، فأصبحت ظاهرة طبيعية جاءت بقوة حتى نهتم بها وبما تحويه.
رائع هذا المزج بين مقاطع رواية الطنطورية للأديبة الدكتورة رضوى عاشور، ومقال ثقافي للأديب الراقي أ/ منير عتيبة، ويكأنهما تضافرا؛ لتكوين نسيج أخر بمذاق جيد ومختلف.
ربط مسمى (الخيش)، أو رجل الخيش بالمعتدي الصهيوني، أو بالإعلامي والسياسي الأكثر اعتداء؛ ربط في محله.
الخوف ليس وليدة اليوم، والتاريخ منسوخ متشابه، حتى العادات والكلمات المتداولة؛ كأنها نسخت ووزعت على كل البلاد ذات الشبه المتطابقة في حالتها السياسية والدينية والإقتصادية. في كل خيش، وألف رجل خيش.
تحياتي.
مقال جميل كالعادة، أثار ذكريات طفولتي، الحرص على عدم تكرار كلمة، واستخدام المترادفات (ثمن، سعر) جعله مقال بتقنية أدبية لا تغفل الفنيات والجماليات. بالإضافة إلى القضية وعمق رؤية حاضرها. أحسنت أستاذنا.