هو ابنُ القلب لا الجوارح، جاهَدَ وكابَدَ، ونحَا نحوًا مُختلفًا كعادة أهل التصوُّف في زمانه أو الأزمنة السَّابقة عليه، حتى وصَلَ إلى مقام القُرب من الله، وحلَّ مشكلتَهُ الرُّوحية شِعرًا ونثرًا الذي ضاع أغلبُهُ وفُقِدَ، وأقام من الدين أساسًا للتصوُّف،جمعَ بين الحقيقةِ أي المعنى الباطن المُستتر وراء الشَّريعة، والشَّريعة أي الرسُوم والأوضاع التي تُعبِّر عن ظاهر الأحكام وتجري على الجوارحِ، أو بين علم الظاهر والباطن.
كان شيخًا للمصريين في زمانِه في الميدانين الشرعي والصوفي، انشغل بشِعْر الحُب والغزل الإلهي، نشرَ التعاليمَ الصُّوفيةَ في مصر في تحدٍّ كبيرٍ لسلطان الفاطميين وقتذاك حيث كانت مصرُ فاطميةً، كأنه كان يُمهِّد لعودة دولة بني العبَّاس إلى مصر من خلال صلاح الدين الأيوبي الذي تواطأ مع الكيزاني للقضاء على الدولة الفاطمية عبر السلطان نور الدين زنكي (511 – 569 هـجرية / 1118 – 1174 ميلادية).
وقد ضايقهُ كثيرًا بعضُ مُعاصريه من الفُقهاء والأئمة وحسدُوه على مكانتِه، إذْ كان شاعرًا شهيرًا في زمانه؛ فآثرَ الانعزالَ، ولم يجد سِوى الجبل مأوىً له، فأكثر من خلواته، ولمَّا جاءهُ الموتُ ودُفِنَ، نُبشَ قبرُهُ، وأخْرِجَتْ جُثتُه؛ لتُدفنَ في قبرٍ آخر؛ لأنه لا يجُوزُ من وجهة نظر نابشِ القبر دَفنُ الصدِّيق إلى جوار الزِّندِيق، لقد كان خِلافًا أيديولوجيًّا، حيث اعتبره النبَّاشُ من الكُفَّار والمُشركين، مع أنَّ الحُرية مكفُولة للجميع في ذلك الزمان وفي كل زمان.
إنَّهُ ” الزِّنديق الصُّوفي” الذي قال في شِعْرِه – والذي ضاعَ أغلبُهُ:
“تلذُّ لي في هوى ليلى مُعاتبتِي لأنَّ في ذكرِها برْدًا على كبدِي ولو تمادتْ على الهِجرانِ راضيةً بالهجرِ لم أشكُ ما ألقي إلى أحدِ” … “والله لولا أنَّ ذكرَكَ مُؤنسِى ما كان عيشِـي بالحياةِ يطيبُ ولئن بكَتْ عينِي عليكَ صبَابةً فلكُلِّ جارحةٍ عليكَ نحيبُ أتظنُّ أنَّ البُعدَ حلَّ مودَّتي إن بانَ شخصُكَ فالخيال قريبُ” … “يا من يَرَى عَذَلي به وتحرُّقي ونُحُولَ جسمي في الهوى وتَشَوُّقي لم ألقَ مثلكَ مفرطًا في صدِّهِ عمدًا ولا في الحُبِّ مثلي قد شقِي فبفرطِ صدِّكَ بل بفرطِ مَحبَّتي إلا نظرتَ إليَّ نظرةَ مُشفقِ إنِّي لأجزعُ منكَ ما لو ذُقتُهُ لعلمتَ ماذا في الهوى قلبِي لقِي جُرْ كيفَ شِئتَ فلستُ أولَ عاشقٍ كأسُ المحبَّةِ في محبَّتِهِ سُقي”
هذه الأبيات من شِعر ابن الكيزاني ” محمد بن إبراهيم بن ثابت بن فرج أبو عبد الله بن الكيزاني “،وقد لُقِّبَ بالكيزاني نسبةً إلى صناعة الكُوز، والكِيزان الأكواب التي تُصْنَع للشُّرب، المُفردُ منها كُوزٌ ،وسُمِّي بالمصري تارةً وبالكِيساني تارةً أخرى، كان مُفرطًا في زُهدِهِ وتقشُّفِهِ وورَعِهِ،لا يعرفُ أحدٌ مكانًا ولا زمانًا لولادته، ومن يتأمَّل نصوصَهُ الشِّعريةَ سيلحظُ كثرة ورُود مفردة “الحبيب” ،مما يشيرُ إلى تجاربه الكثيرة في العِشق.
عن أحمد الشهاوي
أحمد الشهاوي، شاعر وكاتب مصري من مواليد 1960. له دواوين شعرية عديدة، وإصدارات نثرية في أدب العشق والتصوف وفلسفة الدين، ورواية أخيرة هي "حجاب الساحر". تُرجمت أعماله إلى لغات عديدة منها الإنجليزية، والهولندية، والفرنسية، والإسبانية، والتركية، وغيرها، عضو في الموسوعة العالمية للشعر Who's who منذ عام 1992. أجريت دراسات عديدة وأطروحات ماجستير ودكتوراه حول كتاباته وأساليبه والظاهرة الصوفية في أشعاره، ودراسات حول أساليب وتقنيات ترجمة أعماله الشعرية إلى لغات مختلفة.