كثير منا يعشق السير في وسط القاهرة، التي ترتبط فيها أسماء شوارعها بذكريات لا يمكن نسيانها، لكن الأسماء تحمل خلفها حكايات تعبر عن ظهير تاريخي لو تم الالتفات إليه لعرفنا أنها ليست مجرد أسماء.
كانت شقة جمعة الشوان التي يلتقي فيها بالريس زكريا في مسلسل “دموع في عيون وقحة” تقع في شارع الفلكي في باب اللوق، ربما كانت هذه هي المرة الأولى التي ألمح فيها هذا الاسم، الذي يحمل إشارة إلى العلم من ناحية وإلى الدجل من ناحية أخرى، فمن هو هذا الفلكي الذي سمي باسمه واحد من أشهر شوارع القاهرة على صغر مساحته.

الحكاية متكررة، حدثت كثيرا في مصر، فتى يولد في إحدى قرى الدلتا ويتعلم في كتابها القرآن والعلوم الأولية، وبالصدفة يكون له أخ يقيم في المدينة فيصحبه معه إلى المدينة ليلتحق بالمدرسة وينبغ فيها فتتغير حياته وينتقل من رتبة الفلاحين إلى رتبة الباشوات.
هكذا كانت ببساطة حكاية محمود أحمد حمدي، الفتى الذي ولد في قرية الحصة بالقرب من طنطا، وهي غالبا القرية المشهورة الآن بإنتاج أجود أنواع عسل النحل.. حصة شبشير. ولد في عام 1815، وبقي في القرية حيث تعلم في كتاب القرية العلوم الأولية والقرآن، وكان أخوه قد التحق بسلاح البحرية المصرية خلال التطوير الذي قام به محمد علي لجيشه، وسكن هذا الأخ الإسكندرية، فاصحب أخاه محمود ليلحقه مثله بمدرسة الترسانة البحرية بالإسكندرية، وكان أن التحق بها فعلا في سن التاسعة عام 1824.
بعد تسع سنوات تخرج محمود من مدرسة الترسانة البحرية عام 1833، لكنه لم يكتف بهذا القدر من التعليم، فقد بدأ طموحه في الظهور فالتحق مباشرة وهو في رتبة بلوكامين بمدرسة المهندسخانة، وتخرج فيها ليتم تعيينه مدرسا للجبر والتفاضل في المدرسة نفسها، ليكون على مقربة من علي باشا مبارك، الذي رشحه لبعثة إلى فرنسا ليستكمل تعليمه للرياضيات الحديثة.

عندما وصلت أخبار تفوقه إلى محمد علي باشا، فكر في الاستفادة من علمه فطلب منه تحديد المساحات المنزرعة من الأرض لتحديد خراجها، فاستطاع أن يعين خطوط الطول ودوائر العرض لنحو ثلاثين نقطة في الدلتا والوجه القبلي، كما قام بقياس المساحات المنزرعة على أسس علمية لأول مرة في مصر.
سافر العالم الشاب إلى فرنسا، التي انغمس في مختبراتها وقاعات درسها وتعرف على علمائها الذين أبدوا إعجابهم بذكائه ودأبه على تحصيل العلم، فحصل على شهادته العليا في عام 1854 أي بعد أربع سنوات فقط من بداية بعثته، لكنه لم يكتف بالشهادة بل تنقل بين العديد من العواصم والمدن الأوروبية متواصلا مع مراكزها العلمية.
لم يتوقف إنجاز محمود باشا الفلكي على تحصيل العلم بل كان حريصا على إنتاج أبحاث جديدة تطور من علوم الفلك والجغرافيا معا، ونجح بذلك في قياس شدة المجال للمركبة الأفقية للقوي المغناطيسية الأرضية في ثلاثين مدينة ألمانية وبلجيكية لصالح أكاديمية العلوم البلجيكية، وبتكليف من الحكومة المصرية وسع منطقة أبحاثه لتشمل الجزر البريطانية وهولندا وفرنسا وبلجيكا، عين فيها الميل المغناطيسي للمحصلة الكلية للمجال المغناطيسي الأرضي في خمس وأربعين محطة أرصاد في مدن هذه الدول، وأنهى رصده بإيجاد خريطة دقيقة لهذه المنطقة الجغرافية، وقارن بين النتائج التي توصل إليها ونتائج العالم الفلكي الإنجليزي إدوارد سايين عام 1837 والتي اقتصرت على الجزر البريطانية فقط، فكان محمود الفلكي أول من خرج بنطاق أبحاثه عن نطاق الجزر البريطانية.
شهرزاد