انتصارات وانهزامات الترجمة..معانٍ جديدة
شهرزاد
2026 أبريل 19
حكايا الأدب, حكايا الألسنة, حكايا الكتب, شهرزاديات
كتبت مي عاشور:
كل عمل جديد هو تجربة جديدة مستقلة بذاتها، والترجمة عملية تطور غير منقطع. كلما ترجمت نصوصًا متنوعة وأكثر تعقيدًا، اكتسبت المزيد من الخبرات. في بداية تفرغي للترجمة، قررت أنني لن أترك نصًا إلا وأنهيته، مهما كانت مدى صعوبته، ولن أتقافز بين النصوص هروبًا من المشكلات التي تقابلني في الترجمة. فكل البدايات غالبًا ما تكون مشحونة بالتحديات والصعوبات.
استسلام المترجم بسهولة إلى النصوص يقتطع من فرص تعلمه بشكل كبير. فحتى الخطأ الذي قد يقع فيه أثناء الترجمة يتحول إلى سراج يسترشد به في الأعمال القادمة. كما أن الصبر والمحاولة مفتاحان أساسيان. وفي بعض الأحيان، يأتي فهم السطور الغامضة مع تكرار قراءة النص، أو حتى بعد إتمامه بوقت، كأنما يصل المعنى متأخرًا إلى المترجم، وخاصة تلك الجمل التي تكون واضحة ومألوفة ظاهريًا، ولكن في باطنها تضم معاني جديدة كليًا، ومتعلقة بسياق النص. وهنا يفهم المترجم في النهاية أنه يقف أمام جمل أو تركيبات لم تمر عليه من قبل.
وخاصة إذا وضعنا في الاعتبار أن اللغة تتغير وتتطور، ويُضاف إليها من الكلمات والمصطلحات مع مرور الوقت، فبطبيعة الحال سيواجه المترجم العديد من التحديات المتعلقة بتجارب جديدة لم يختبرها، وسيتعرف عليها للمرة الأولى. ولأن هذا التطور غالبًا ما سيتخطى القواميس الورقية أو حتى الإلكترونية، فربما لن يجد المترجم ردًا على تساؤلاته سوى في مصادر مختلفة وغير تقليدية، كمشاهدة بعض الفيديوهات، أو الصور، أو حتى بالسفر.
رحلة الترجمة شاقة، ولكنها تستحق. ستزدهر نتائجها بالمواصلة والتعلم المستمر. قد تكون بدايتها تارةً سلسة، وأخرى عثرة، لكن رغم كل شيء، سيحفر المترجم طريقه طالما أراد. لن يصل إلى الغاية القصوى لدربه في لمح البصر، بل ستحمله كل خطوة من التعب والإخلاص والتفاني إلى حيث يرغب. ربما ستتملكه الحيرة أحيانًا، وسترتبك خطاه، أو حتى قد يخفق ويحيد عن المسار، وفي النهاية سيغلب حدسه. لن يستسلم، سيتشبث أكثر بما يطمح إليه، وسيخلد بصمته في كل كلمة وسطر. حتى لو تُرجمت الأعمال عدة مرات، ستبرز تجربته؛ ببساطة لأنها نابعة من الشغف. وسيدرك أن السير إلى مسافات بعيدة لن يحتاج إلى خطى مسرعة، بقدر ما يحتاج إلى نفس طويل، ورحابة صدر، ويقين بالقدرة على المواصلة والوصول، وثقة في الاجتياز، والتسليم بأن على طول الطريق—أي طريق—قد تكون هناك أماكن ودروب مقفرة وناضبة، ولكنها أبدًا ليست نهاية الرحلة، بل بداية لوميض سيلتمع في الأفق حتى يغمره.