المحمل.. من القلعة إلى مكة في عيون الروائيين

هاني سمير :

عرف المصريون المحمل منذ مئات السنين؛ فهو رسالة مصر إلى الأراضي الحجازية، وحوله ومعه طافوا شوارع القاهرة بداية من القلعة حتى خروجه منها. فمشهد الجمال المزينة بالأقمشة الملونة، وفي مقدمتها المنشدون الذين يرفعون أصواتهم لتُسمع في أزقة القاهرة وحاراتها، كان له أثر طيب في نفوس المصريين، سواء من ذهب للحج أو من لم يذهب.

ورغم أن المحمل كان يرحل حاملًا الدعوات مع كسوة الكعبة، إلا أن مشهده ظل ساكنًا في وجدان المصريين، وخاصة الأدباء؛ فكان جزءًا من أعمالهم الروائية.

فنجد في ثلاثية نجيب محفوظ، أن المحمل هو رمز الفرح والسعادة التي يشتاق إليها الإنسان، وهذا ما عبر عنه عند عودة أمينة للبيت بعد أن أخرجها زوجها منه، فكانت عودتها عودة للفرح والبهجة على جميع من فيه. وعن هذه المشاعر قال ابنها كمال: “هذا اليوم أعز عندي من المحمل نفسه!”؛ ذلك المحمل الذي رآه عابرًا في حي النحاسين، حيث التف حوله الناس فرحًا واستقبلوه كعرس شعبي لحارتهم.

وكما كان المحمل رمزًا للبهجة، فهو رمز للغزل والملاطفة؛ حيث نجد السيد أحمد عبد الجواد عندما أراد وصف جليلة العالمة قال إنها كالمحمل في ضخامته وزينته، وهذا تعبير عن مدى سطوة وقوة المحمل في مشاعر الناس؛ فهو تارة رمز للسعادة وأطوارًا تعبير عن الجمال.

أما عند جمال الغيطاني فهو رمز للقوة وبسط النفوذ، إلى جانب كونه رمزًا للشرعية الدينية؛ وهو أيضًا فرصة للتعرف على مصر المملوكية في نهايتها التي رصدها في رواية “الزيني بركات”، حيث رأى موكب المحمل ليس طقسًا شعبيًا فقط، بل فرصة للتعرف على أحوال الرعية ورصد ما تفكر فيه، من خلال سماع البصاصين لمن سار في الموكب حتى وداعه؛ فالمحمل رغم أنه رمز ديني إلا أنه ساحة لعيون السلطان.

أما خيري شلبي فالمحمل عنده ليس الموكب المُنطلق من مصر للأراضي الحجازية كما عرفه الناس، بل كرنفال شعبي متنقل من مولد إلى آخر؛ عالم مليء بالدراويش والنساء والأطفال. هذا الصخب وما فيه من طقوس وموروثات ثقافية واجتماعية يُعبر عن مصر البسيطة وعالمها المهمش الذي كان حاضرًا بقوة، مستحضرًا التحولات الروحية والاجتماعية، سواء في المدينة أو الريف المصري بين طيات رواياته.

فهو لم ينظر للمحمل كطقس ديني، بل موكب يحمل ثقافة وعادات المجتمع المصري التي انصهرت عبر السنين، فأصبحت ما يُعرف بـ “التدين الشعبي”، حيث يحتفل البسطاء بالموالد والمواسم الدينية بما انشرحت له نفوسهم وسكن في قلوبهم، غير ناظرين لأي معارك كلامية حول طريقة تعبيرهم في استقبال هذه المواسم بالبهجة، والرقص، والزغاريد، وأحيانًا البكاء والصراخ.

ورغم ما للمحمل من مكانة في نفوس المصريين، إلا أنه توقف رسميًا في منتصف القرن الماضي، فلم يعد هذا الموكب الذي طالما طاف شوارع القاهرة العامرة، ولكنه ظل كوثيقة حاضرة في الأعمال الروائية للعديد من الكتاب، ومساحة للتعبير والإبداع؛ فالمحمل أكثر من موكب، فهو تاريخ لعادات وتقاليد المجتمع، وصورة للعلاقة بين السلطة والشعب، ومفهوم الدين عند طبقات الشعب المصري.

فالمحمل لم يكن للأديب مشهدًا تاريخيًا مسجلًا في ذهنه فحسب، بل نافذة لعالم متسع يجمع فئات الشعب المصري بكل تناغمه وتناقضه.

 

عن شهرزاد

المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *