كانت ريادة سيد درويش في اتجاهات عدة، أولها التطوير الموسيقى، الذي، على الرغم من التزامه بالقواعد الصارمة للموسيقى الشرقية، كان ملتزما بالتعبير عن ذائقة الجمهور العادي وترقيتها مع دمجها بالممكن من الصياغات الغربية، وهو ما أسهم في خلق اتجاه موسيقي بدا قريب المأخذ لكل من يسمعه، على الرغم من تعقده، والاتجاه الثاني هو اختياره للكلمات التي تعبر عن روح الشعب وطوائفه، مع الاحتفاظ بالجودة الفنية لهذه الكلمات، لتبدو أقرب إلى الأدب الرسمي، وما ساعده في ذلك تعاونه الدائم مع اثنين من أهم شعراء عصره وهما بديع خيري وبيرم التونسي، أما الاتجاه الثالث فهو ارتباطه بالحس القومي المتنامي في بداية القرن، وخصوصا في أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى، ومع بواكير ثورة 1919، حيث عبرت أغنيات درويش عن الإحساس الشعبي بصورة واضحه وضعته في مصاف أبطال هذه الثورة.

وعلى الرغم من درامية حياته، حيث ولد في كوم الدكة، أحد أحياء الفقراء في مدينة الإسكندرية المملوءة بالأجانب والأثرياء، في السابع عشر من مارس عام 1892، وتوفي في الخامس عشر من سبتمبر من عام 1923، عن واحد وثلاثين عاما، وفي هذه الفترة القصيرة تزوج وتيتم وصار مسئولا عن عائلة كاملة، وسافر كثيرا وفشل كثيرا، قبل أن يصبح صوت الشعب والثورة، وغنى كثيرا ولحن كثيرا، وعشق وهجر وذاق ملذات الحياة وآلامها، حياة قصيرة عاشها كاملة مملوءة بالأحداث والإخفاقات والإنجازات، ليترك لنا أغنياته التي عاشت لأكثر من مائة سنة جزءا من التكوين الجمالي للشعب المصري، بل جزءا لا يتجزأ من الهوية القومية المصرية، حتى أن النشيد الوطني المصري هو واحد من ألحانه.

بعد مائة عام ومئات الإنجازات احتفل مركز أبو ظبي للغة العربية بمئوية سيد درويش بحفل غنائي في قصر عابدين، كان مزجا بديعا لكل تلك التناقضات التي عاشها سيد درويش فأفرزت فنا رفيعا، حيث أربعة اتجاهات غنائية واضحة استعادت بعضا من ألحانه، مغنية أوبرالية هي الإماراتية فاطمة الهاشمي، تغني لسيد درويش فتستقيم الألحان، وأخرى فيها من رائحة زمن سيد درويش نفسه هي التونسية عبير النصراوي بصوت يشبه خيالي الخاص عن صوت منيرة المهدية، وفريق مسار إجباري الذي أعاد اكتشاف إمكانات الجاز في ألحان سيد درويش ومحمد محسن الذي أعاد اكتشاف سيد درويش نفسه بروحه وصوته وأدائه القادم من عمق الألحان، كل ذلك يتجمع في قصر عابدين لتكتمل مفارقة اجتماع فنان الشعب وقصر الحكم، فكان المزيج الخيالي الخاص، الذي رغم اكتمال بهائه يذكرنا بأنه مازال لسيد درويش كثير من الحقوق علينا لنتذكره أكثر، وكأنها دعوة منه في مئويته أن نستعيده واقعا وإبداعا، حين لم نفعل على مدار عام كامل.
شهرزاد