نهر متدفق من الذكريات، بأدق التفاصيل المكانية والزمانية، سطره لويس عوض في كتابه “أوراق العًمر-سنوات التكوين”، واضعاً لكل فصل فيه عنوانًا ينطلق منه ليصطحب القارئ في رحلة ثرية بالمعرفة عن نفسه وعالمه وناسه؛ فهي ليست مذكرات تقليدية بقدر ما هي أقرب لشريط سينمائي أو دفتر يوميات شاهد على حياة نابضة بالأحداث.
نهر النيل هو أول صورة دُوّنت في مخيلة عوض في طفولته التي عاشها بين مدينة الخرطوم بالسودان وبلدة “شارونة” بالمنيا في صعيد مصر، وفيها سمع حكايات الأجداد، وتشرّب عادات وتقاليد الصعيد التي نحتت ملامح ثقافته الأولى وصُقلت عبر السنين. ومن خلال تسعة عشر فصلًا هي مضمون كتابه، يتتبع عوض كيف تشكل وعيه الثقافي والسياسي، ومن تأثر بهم وأثر فيهم خلال سنوات العُمر.
ففي ديسمبر 1914، قبيل سنوات قليلة من اندلاع ثورة 1919، ولد لويس عوض، ليعود الفضل الأول في تشكيل وعيه المبكر إلى والده الذي كان يعشق قراءة الصحف والمجلات، ويتأمل ما يجري في مصر من أحداث سياسية واقتصادية ليتناقش فيها مع أبنائه بشكل يومي. لهذا، حين كبر لويس، حظيت رواية “بين القصرين” ـ مفتتح ثلاثية نجيب محفوظ ـ بمكانة كبيرة في نفسه؛ كونها وثقت الحالة الاجتماعية للشعب المصري خلال الزخم السياسي الذي بدأ على يد سعد زغلول، حيث وجد فيها ضالته التي كان يبحث عنها حول مدى قدرة الأدب على تفسير المجتمع، وسرد ما تعجز عنه كتب السياسة والتاريخ.
هذه التساؤلات الفكرية ظلت تصاحب الشاب القادم من الصعيد إلى القاهرة أثناء دراسته في كلية الآداب وما بعدها، مما جعله مميزًا عن أبناء جيله لجمعه بين فضول الباحث وحساسية الأديب؛ فبقدر اهتمامه بالتاريخ الذي يؤثر في الإنسان، اهتم بالإنسان ذاته وما ينتجه من فكر، ولهذا كان الأدب بالنسبة إليه مفتاحاً لفهم البنية المجتمعية، وليس مجرد فن للتسلية.
تبلور هذا المزيج بشكل أوضح عقب رحلته الدراسية إلى جامعة “كامبريدج” في بريطانيا، واطلاعه على مناهج النقد والفكر لدى الغرب، مما ساعده في تكوين شخصيته النقدية القائمة على الحوار والتفاعل، لا التقليد الأعمى لكل ما هو غربي. وتكشف “أوراق العمر” أن لويس عوض، خلال مسيرته، كان من أهم الأصوات النقدية والفكرية في مصر والعالم العربي بما قدمه من أطروحات في الأدب والتاريخ والفكر والترجمة، وإسهامه في إدخال مفاهيم جديدة إلى الحياة الثقافية العربية؛ فهو ليس مجرد أكاديمي لامع أو ناقد مثير للجدل، بل قارئ كبير يؤمن بأن فهم المجتمع يبدأ من فهم الحكاية.