أحدث الحكايا

القاهرة «ألف ليلة وليلة».. كيف يتحول المكان إلى بطل في روايات مريم عبد العزيز؟ (الجزء الأول)

من الهندسة المعمارية إلى عوالم السرد، قطعت الكاتبة مريم عبد العزيز رحلة شيقة قادتها من شغف الطفولة بال شعر إلى مشروع روائي يتخذ من المكان والتاريخ والذاكرة ركائز أساسية للحكاية. يظهر ذلك جلياً في تجاربها المتنوعة بين القصة والرواية؛ بدءاً من “مقام راحة الأرواح”، ومروراً بـ “هناك حيث ينتهي النهر”، وصولاً إلى “لونجا”، ومشاركتها في “ونيس الليل”؛ أعمال يجمع بينها حب عارم لمدينة القاهرة، التي لا تحضر لديهم كخلفية صامتة للأحداث، بل ككائن حي يشكل مصائر أبطاله.

 

 

تصف مريم علاقتها بالقاهرة بـ “المُركبة”، إذ تجمع بين الحب والغضب، لكنها لا تحتمل الابتعاد عنها طويلاً؛ فحين تسافر تشعر بالغربة، مؤمنة بأن القاهرة هي مدينتها الأولى والأخيرة. وترجع سر هذا العشق إلى فكرة “الطبقات”؛ فالقاهرة تحمل عمقاً تاريخياً مكثفاً، وفي كل زاوية منها سر يغذي مخيلة الكاتب. ومن هنا لا تبدو العمارة عندها حجارة صامتة بل محركاً للحكايات، إذ تشرع أحياناً في بناء العمل من المكان نفسه، وحتى حين تفرض الشخصية حضورها أولاً، تظل حريصة على منح الفضاء المعماري فاعلية كاملة توازي أبطال النص.

وفي عالمها، يشكل التاريخ والعمارة الإسلامية جزءاً أصيلاً من نسيج الحكاية دون المساس بالحقائق التاريخية؛ فلا تُغير مسميات المساجد أو الوقائع الثابتة، بل تُعيد توظيفها رمزياً. يظهر ذلك في “هناك حيث ينتهي النهر” حين استحضرت “مسجد زغلول” برشيد ـ معقل المقاومة الشعبية قديماً ـ لتربطه بمأساة معاصرة تتمثل في الهجرة غير الشرعية، في محاولة لاستدعاء انتصارات الماضي لمواجهة هزائم الحاضر.

بين الرواية والقصة وسلسلة “ونيس الليل” المستوحاة من “ألف ليلة وليلة”، لا تنظر مريم لتجربتها كمسار خطي متصاعد، بل كألوان أدبية مختلفة تطرقها لاختبار أدواتها وكسر جمود الكتابة. ورغم أن القصة والرواية تظلان الأقرب لقلبها، توضح أنها اكتسبت مع السنين عين الناقد أثناء الصياغة؛ فأضحت تلتفت لبناء الشخصيات وتماسك السرد، وهو ما حرمها ـ بأسى شفاف ـ من متعة القراءة البريئة التي كانت تعيشها في البدايات.

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *