أحدث الحكايا

حين أطلّت باريس على القاهرة..وسط البلد وقصر عابدين في عصر إسماعيل

منذ أكثر من قرن ونصف القرن، شهدت القاهرة تحولاً معمارياً فارقاً؛ إذ دخل طرازٌ عصري فريد في نسيجها العثماني والمملوكي. كان حلمٌ يراود إسماعيل بن إبراهيم -خامس حكام مصر من الأسرة العلوية- بأن تجادل قاهرتهُ كبريات العواصم الأوروبية؛ فكرةٌ استلهمها من زيارته لباريس عقب إعادة تخطيطها على يد المهندس «هاوسمان»، وحين تولى مقاليد الحكم عام 1863، بدأت الرؤية تتجسد واقعاً.

انطلقت الحكاية بردم البرك والمستنقعات والأراضي الخربة بين القاهرة المملوكية وضفاف النيل، لتبزغ مكانها شبكة من الشوارع الشعاعية المنظمة، والميادين الفسيحة، والحدائق، والجسور على النمط الباريسي. واستغرق تصميم هذا المشروع الطموح نحو خمس سنوات، شهدت مد شبكات المياه والصرف والإنارة، ورصف الطرق، وتخصيص ممرات للمشاة، في نقلة نوعية فارقت نمط العمران السائد آنذاك.

 

 

القاهرة الخديوية

 

ومع اتساع رقعة «القاهرة الخديوية»، أطلت واجهات المباني بطرز أوروبية خالصة؛ تتدرج بين الباروك والروكوكو والنيوكلاسيك، وتتوجها الشرفات الحديدية المشغولة على الطراز الفرنسي، والأسقف الشاهقة، والزخارف الحجرية الدقيقة.

أما «قصر عابدين»، الذي غدا مقرّاً للحكم بديلاً عن القلعة، فقد جُهّز ليزاحم القصور الأوروبية فخامةً وزخرفة؛ ليكون مركز ثقل المدينة الجديدة ومحورها السياسي، وشاهداً على انتقال العاصمة إلى عصر عمراني مفتوح على العالم.

 

قصر عابدين

 

تحولت «وسط البلد» خلال عقود قليلة من أراضٍ خربة إلى واجهة حضرية ناصعة أطلق عليها الرحالة «باريس الشرق». وهو لقبٌ ما زال صداه يتردد حتى اليوم؛ فكلما أمعن زائرٌ الخُطى بين مبانيها، وجد نفسه في رحاب مشروعٍ لم يكتفِ بمحاكاة أوروبا، بل أعاد صياغة هوية المدينة من جذورها.

 

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *