أحدث الحكايا

«مجموعة قلاوون».. تحفة جمعت الطب والعلم والعمارة

بمنطقة النحاسين في شارع المعز، المعروف سابقاً بـ “بين القصرين”، شيّد السلطان المنصور سيف الدين قلاوون درةً من روائع العمارة المملوكية بين عامي (683 – 684 هـ). وتعد المجموعة أول تحفة معمارية متكاملة تجمع بين مسجد ومدرسة وقبة ضريحية ومستشفى “بيمارستان”، يفضي إليها جميعاً دهليزٌ مركزيٌّ طويل يربط بين أركانها في محور معماري واحد، يعكس عبقرية البناء في ذلك العصر.

تكمن أهمية مجموعة قلاوون في ثرائها المعماري والزخرفي وتعدد وظائفها؛ إذ تضم قبة ضريحية فخمة صُممت على نمط قبة الصخرة بالقدس. أما المدرسة، فشُيّدت على نظام التخطيط المتعامد عبر صحن تحيط به أربعة إيوانات لتعليم المذاهب الأربعة، لم يبقَ منها سوى إيوان القبلة والإيوان المقابل له. وما زال إيوان القبلة يحتفظ بمحرابه المصحوب بعمودين رخاميين طاقيتهما غنية بالزخارف الجصية البارزة، إلى جانب نوافذ محاطة بحفر بديع يتضمن آيات قرآنية.

وتُعد المئذنة من أضخم المآذن في مصر، وتتكون من ثلاث طبقات: الأولى مربعة مزينة بكتابات وزخارف جصية، والثانية مثمنة تنتهي بمقرنصات، بينما تمثل الطبقة الثالثة تجديداً لاحقاً. وتزدان الواجهة المطلة على شارع المعز بشريط كتابي حُفر بخط الثلث، يتضمن اسم المنشئ وألقابه -وأشهرها “خادم الحرمين الشريفين”- وتاريخ الإنشاء.

أما الباب الرخامي للمدرسة، فهو أول ما يسترعي الانتباه بفرادة طرازه القوطي؛ إذ جُلِب من إحدى كنائس عكا عقب فتحها على يد الأشرف خليل بن قلاوون، وأُعيد نصبه في هذا المجمع. ولم يغفل السلطان قلاوون الجانب الإنساني؛ إذ أقام “البيمارستان” لتقديم خدمات طبية وعلاجية مجانية متقدمة للرجال والنساء على حدٍّ سواء.

إن هذا التنوع الفني والوظيفي جعل من مجموعة قلاوون واحدة من أثرى المجموعات المعمارية في تاريخ مصر؛ حيث تحولت الحجارة على يد المعماري المسلم إلى شواهد حية تجسد الإبداع عبر العصور.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *