أحدث الحكايا

د. هيثم الحاج علي يحكي: حكاية نجيب محفوظ الأول

في ليلة من ليالي ديسمبر الباردة عام 1911، فاجأت آلام المخاض السيدة فاطمة مصطفى قشيشة، كانت حالة ولادة متعسرة، ولذلك فقد اتجهت على الفور إلى واحد من أكثر أطباء القاهرة شهرة في مجال طب النساء والتوليد في ذلك الوقت، وهو الذي تعامل مع الموقف بحكمة وانتهت الليلة بمولد طفل أسماه والده على اسم الطبيب نجيب محفوظ.

فلاش باك

قبل ذلك التاريخ بتسعة أعوام كان الشاب نجيب ميخائيل محفوظ يستعد للتخرج من مدرسة الطب بقصر العيني لكن وباء الكوليرا الذي اجتاح مصر أجل مراسم التخرج حيث تم تكليف هذه الدفعة من الطلاب بأعمال مقاومة الوباء، وكان تكليف الطبيب الشاب نجيب محفوظ بأن يقوم بالكشف على القادمين بالقطار في محطة السكة الحديدية في باب الحديد، لكنه بعد أيام قدم طلبا بأن يكون تكليفه في موطن الوباء بنفسه في الوقت الذي كان زملاؤه يلتمسون عدم الذهاب إلى هناك، وبعد الموافقة على طلبه سافر إلى قرية موشا من أعمال أسيوط.

الدكتور نجيب محفوظ في شبابه

 

تتبع الطبيب الشاب حركة الوباء إلى أن اكتشف أن بؤرته في بئر مياه في بيت أحد الفلاحين كان قد جلب من الحج صفائح مياه زمزم والتي ربما تلوثت في طريق العودة، ولكي يزيد من التبرك فقد أفرغ بعضها في هذا البئر، واستطاع الطبيب الشاب بعد جهد كبير إقناع الفلاحين بردم الآبار المشتبه فيها مما حد كثيرا من انتشار الوباء حتى تمت السيطرة عليه.

نجيب وزوجته وابنهما سامي

 

الدكتور نجيب محفوظ المولود في المنصورة في الخامس من يناير 1882، تم تعيينه بعد تخرجه طبيب تخدير بمستشفى قصر العيني لكنه اختار أن يفتح عيادته الخاصة بوسط القاهرة، وهي العيادة التي سوف تحقق له شهرة كبيرة لدرجة أنه يبني ملحقا لها عنبرين كاملين، وليتم تعيينه في مدرسة الطب أستاذا لطب النساء والولادة ويبدأ ريادته الخاصة لهذا العلم لدرجة أن الجراحات التي قام بها في ذلك الوقت خاصة جرحة إصلاح الناسور المهبلي قد تم تدريسها في جامعات لندن وأكسفورد وأدنبره وجنوة ولوزان، ولدرجة أن أطباء أوربيين كانوا يقدمون خصيصا إلى القاهرة لكي يحضروا معه عملياته الجراحية.

مع مصطفى النحاس باشا

 

نال الدكتور نجيب محفوظ رتبة الباشوية عام 1931، وبلغ سن التقاعد في عام 1942، لكن تلاميذه وزملاءه قاموا بتقديم طلب بمد خدمته خمس سنوات أخرى للتم الإفادة من علمه وهو ما تمت الاستجابة له، في الوقت الذي كرمه فيه الملك فاروق ليحصل على جائزة الملك فاروق للعلوم عام 1951.

أسس الدكتور نجيب محفوظ أول وحدة في مصر لصحة الأم، وأول وحدة لرعاية الحوامل ومتابعة الحمل وأول وحدة متخصصة في صحة الأطفال حديثي الولادة، كما أسس مدرسة خاصة لتعليم القابلات ليقمن بعمليات التوليد في المنازل وهي المدرسة التي خرجت حوالي ألف قابلة على مدار ثلاثين عاما، تم فيها تدريس كتابين كاملين له وضعهما خصيصا لتعليم القابلات.

مع الرئيس محمد نجيب

 

نال الدكتور نجيب محفوظ عددا كبيرا من التكريمات من الرئيس جمال عبد الناصر والرئيس السادات، بخلاف تكريماته الدولية حيث تم منحه عضوية الجمعية الملكية الطبية بإنجلترا حين قدم محاضرة شهيرة فيها عن أمراض النساء اضطرت فيها الجمعية إلى نقل المحاضرة للمسرح الملكي نظرا للإقبال الشديد عليها، وكان ذلك في العام نفسه الذي تم منح ميدالية الجمعية إلى ألكسندر فيلمنج مكتشف البنسلين.

أثناء تلقيه وسام الاستحقاق من الرئيس جمال عبد الناصر

وقد توفي الدكتور نجيب محفوظ في القاهرة في يوليو 1974 بعد حياة حافلة كان فيها بحق أحد رواد طب النساء في العالم، وبعد أن منحنا الكثير من العلم والعمل والفخر، وبعد أن أسهم في أن يكون لدينا نجيب محفوظ آخر على المستوى نفسه ولكن في مجال الأدب.

نقطة أخيرة:

خمسون عاما مرت على وفاة الدكتور نجيب محفوظ، تغيرت فيها الأمور كثيرا، فبعد أن كان الأطباء الأوربيون يأتون إلى مصر ليتعلموا جراحاته، وبعد أن كانت عملياته تدرس في جامعاتهم، انقلب الأمر في فترة تعد وجيزة في عمر التاريخ، ليظل السؤال مثارا: كيف انقلب الأمر هكذا؟ ولماذا؟ وما السبيل إلى العودة مرة أخرى؟

الدكتور نجيب محفوظ في مراحل مختلفة من عمره

عن د. هيثم الحاج علي

شاعر وناقد، أستاذ مساعد الأدب العربي الحديث والنقد بكلية الآداب جامعة حلوان. شغل سابقا العديد من المناصب في وزارة الثقافة المصرية مثل: رئيس مجلس إدارة الهيئة المصرية العامة للكتاب، أمين عام المجلس الأعلى للثقافة، رئيس مجلس إدارة جريدة القاهرة الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية، له العديد من الكتب النقدية والإبداعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *