لم يكن كغيره من كُتّاب الدراما التاريخية، بل كان يصنع من التاريخ وثيقة حية تعبر عن أجيال كاملة؛ فأعاد حكي الأحداث بأسلوب إنساني راقٍ يدفع المشاهد لإعادة قراءة الماضي. هكذا كان الكاتب الكبير محفوظ عبد الرحمن، الشهير بـ “جبرتي الدراما المصرية”.
ولد عبد الرحمن في 11 يونيو 1941 بالبحيرة، ونشأ في أسرة كثيرة الترحال بحكم عمل والده، مما حرمه من تكوين صداقات طويلة، وجعل الكتاب صديقه الأول في الحل والترحال، لتصبح القراءة مدخله المبكر إلى عالم الكتابة.
محفوظ عبد الرحمن
التحق بجامعة القاهرة وتخرج في قسم التاريخ عام 1960. وخلال سنوات دراسته، نشر عدداً من القصص القصيرة في مجلة «الآداب» اللبنانية، ليكشف مبكراً عن موهبة أدبية وانحياز للتاريخ. وبعد تخرجه، عمل بالصحافة في «دار الهلال» وإصدارات وزارة الثقافة، قبل أن يتفرغ تماماً للكتابة عام 1982، عقب تجربة ثرية في التلفزيون الكويتي امتدت بين عامي 1974 و1978.
بدأت رحلته مع التلفزيون المصري بسهرة «ليس غداً» عام 1966، ثم قدم مسلسله الأول «العودة إلى المنفى» عام 1971 عن رواية لأبي المعاطي أبو النجا. غير أن ارتباط الجمهور الوجداني به تكرس مع مسلسل «بوابة الحلواني»، الذي رصد فيه عبر أربعة أجزاء التحولات الاجتماعية والاقتصادية لمصر في العصر الخديوي وحفر قناة السويس. كما قدم ملحمة «أم كلثوم» التي نال عنها الجائزة الذهبية بمهرجان الإذاعة والتلفزيون، فضلاً عن أعمال استثنائية مثل: «سليمان الحلبي»، و«عنترة»، و«ليلة سقوط غرناطة»، و«أهل الهوى» الذي تناول فيه سيرتي بيرم التونسي وسيد درويش.
مشهد من مسلسل أم كلثوم
ولم تغب الشاشة الكبيرة عن اهتمامه؛ فكتب فيلم «ناصر 56» للراحل أحمد زكي متناولاً كواليس تأميم قناة السويس، وفيلم «حليم» الذي كان آخر أعمال زكي، إلى جانب فيلم «القادسية». وفي المسرح، قدم نحو 12 عملاً منها: «عريس لبنت السلطان» و«حفلة على خازوق»، إلى جانب أعماله القصصية والروائية مثل «البحث عن المجهول» و«اليوم الثامن». نال عن هذه المسيرة حشداً من الجوائز والتكريمات، كان أقربها إلى قلبه تكريمٌ من أحد الأندية الشعبية ببولاق الدكرور، لكونه برهاناً على وصول الفن الصادق إلى الناس.
مشهد من فيلم ناصر ٥٦
وفي 19 أغسطس 2017، رحل محفوظ عبد الرحمن، تاركاً إرثاً إبداعياً أثبت من خلاله أن التاريخ ليس مجرد مادة صماء في الكتب، بل حكاية حية تُروى وتلهم الأجيال.
عن هاني سمير
الكاتب هاني سمير
كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22".
في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.