عرف الجمهور الفنانة فاتن حمامة بلقب «سيدة الشاشة العربية»، غير أن قلةً يعلمون أن تلك المكانة الاستثنائية لم تكن وليدة الموهبة الفطرية فحسب، بل صنعتها عادةٌ رافقتها منذ الطفولة: القراءة. لم تكن تكتفي بحفظ الحوار وإلقائه بإتقان، بل كانت جسراً أميناً ينقل الأدب من صمت السطور إلى نبض الشاشة، محولةً الشخصيات الورقية إلى بشرٍ من لحم ودم، لهم مشاعرهم ونبرتهم الخاصة.
تضرب جذور هذا الشغف -بحسب سيرتها الذاتية- في بيت والدها الذي غرس فيها حب الكتاب منذ نعومة أظفارها؛ إذ كان يلزمها بقراءة أمهات الكتب وروايات الأدب الكلاسيكي حرصاً على سلامة لغتها العربية وتهذيب مخارج حروفها، وهو ما انعكس جلياً في فصاحة أدائها الدرامي ونطقها الرصين.
ومع نضج تجاربها، لم تعد القراءة لديها ترفاً فكرياً أو تزجيةً للوقت، بل أداةً صلبة لتطوير أدوات التمثيل وتوسيع المدارك، وفهم الأبعاد النفسية للشخصيات التي تسكنها أمام الكاميرا. لذا، كانت تحرص على قراءة الروايات كاملةً قبل تحويلها إلى سيناريوهات، وهو ما كان سبباً مفصلياً في تحويل روائع الأعمال الأدبية إلى علامات سينمائية خالدة، مثل «دعاء الكروان» لطه حسين، و«الحرام» ليوسف إدريس.
لم تكتفِ فاتن بالأدب العربي، بل أبحرت في عيون الأدب العالمي المترجم لسبر غور النفس البشرية وما تعتريه من تحولات عبر الزمن. هذا الولع بالمعرفة أكده زوجها الدكتور محمد عبد الوهاب، مشيراً إلى أنها كانت تقضي ساعات طويلة في مكتبتها المنزلية الخاصة، حيث تشكل القراءة جزءاً أثيراً من طقوسها اليومية. وفي لحظة بوحٍ عفوية، كشفت جانباً إنسانياً من هذا الشغف قائلة:
“أرتدي نظارة القراءة دائماً.. ولا أستطيع الاستغناء عنها”.
امتد أثر الكلمة في حياتها إلى ما هو أبعد من أضواء الكاميرا؛ ففي فترة عصيبة اضطرت فيها للابتعاد عن مصر لسنوات، تذكر أن كتاباً نصحها أحدهم بقراءته أبقاها أرِقةً أسبوعاً كاملاً، وغير رؤيتها لواقعها السياسي والاجتماعي تغييراً جذرياً؛ ما يبرهن على أن الكلمة المكتوبة كانت قادرة على هز قناعاتها بمقدار ما تهزها الأحداث الكبرى.
جمعتها صداقات وثيقة بكبار الأدباء الذين ترجمت رواياتهم إلى أفلام؛ أبرزهم إحسان عبد القدوس الذي جمعتها به أواصر عائلية متينة تجاوزت حدود الفن، فضلاً عن يوسف إدريس، وطه حسين، وتوفيق الحكيم. ومن المحطات اللافتة في مسيرتها تجسيدها لبطولة فيلم «الطريق» المأخوذ عن رواية نجيب محفوظ، إلى جانب تعاونها معه في سيناريوهات سينمائية كتبها خصيصاً لأعمال أخرى قدمتها على الشاشة.
فاتن حمامة لم تكن مجرد نجمة استعارت من الأدب حكاياته لتمثلها، بل كانت قارئةً نهمة أدار الأدبُ محرابه عبر صوتها ووجهها، ليصل إلى ملايين لم يطالعوا الروايات بين غلافين، لكنهم عاشوا تفاصيلها الدقيقة في عينيها.
عن هاني سمير
الكاتب هاني سمير
كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22".
في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.