مثلما يبدع الطهاة في ابتكار أطباقهم، أبدع كُتّاب ومؤرخون عبر العصور في توثيق حكايات الطعام وعلاقته بالإنسان. وتزخر المكتبة العربية بعشرات المؤلفات التي تتبعت قصص الأطعمة، وأسماءها، وآداب المائدة، وتطورها عبر الزمن؛ كاشفةً كيف تجاوزت المائدة وظيفتها الأولية، لتتحول إلى سجل حي يوثق تاريخ الشعوب وثقافتها الحية.
وفي أمسية ثقافية نظمتها منصة “بساط” احتضنت نقاشاً ثرياً يجمع بين خبرة البحث ورؤية التأريخ، التقت الباحثة في الأنثروبولوجيا وتاريخ الطعام ومقدمة برنامج “عيش وملح”، الأستاذة ماجي حبيب، بالكاتب الصحفي الدكتور ياسر ثابت، في ندوة مفتوحة لمناقشة أبعاد كتابه الأحدث “ثورة المائدة” الصادر عن “دار المحرر للنشر”.
خلال اللقاء، قدم د. ياسر ثابت قراءة ممتعة للغذاء تفكك أبعاده الإنسانية؛ إذ يراه “مرآة للثقافة والتاريخ والتقاليد، تعكس أسلوب الحياة والقيم الاجتماعية”. ومن خلال العودة إلى كتب التراث العربي والمراجع الحديثة، تتبع المؤلف حضور الطعام في تشكيل الذاكرة والهوية والانتماء، مؤكداً أن “الطعام هو باب للدخول إلى ثقافة وتاريخ أي مجتمع، إذ لا يمكن فهم ثقافة مجتمع دون فهم ما يتناوله أفراده”.
د. ياسر ثابت
وتتفق الشيف ماجي حبيب مع هذا الطرح، معتبرة أن أحد أبرز عناصر قوة الكتاب تكمن في تحويله الأطعمة إلى حكايات نابضة بالحياة؛ حيث يربط بين المائدة والتحولات التاريخية وعادات الشعوب، مما يجعل القراءة تجربة تجمع بين المتعة والمعرفة للجمهور الذي يبحث عما وراء المائدة.
ولفتت “حبيب” إلى ما تشهده الدول العربية حالياً من سباق لتسجيل أطباقها الشعبية كرمز للهوية الوطنية في المنظمات الدولية، وهو ما دفع المؤلف لتتبع الأصول التاريخية للعديد من الأطعمة، مستنداً إلى كتب التراث والأعمال الأدبية باعتبار الطعام جزءاً أصيلاً من البنية الاجتماعية.
الشيف ماجي حبيب
ومن بين الأمثلة المثيرة التي يناقشها الكتاب؛ ذلك الجدل التاريخي حول أصل “السمبوسة” أو “السنبوسك” وما إذا كانت أندلسية أم هندية، وجذور “المحشي” أو “الضلمة” وهل تعود إلى مصر أم تركيا، وغيرها من الأكلات التي صهرها المطبخ المصري والعربي في هويته.
ولم يقتصر النقاش على تاريخ الأطباق الشعبية، بل امتد ليشمل “دبلوماسية الطعام” وكيف لعبت الموائد دوراً في تقريب وجهات النظر خلال مفاوضات “كامب ديفيد” عام 1978، حين وظفت السيدة الأولى روزالين كارتر مساحات الضيافة بذكاء لكسر الجليد والسماح للوفود بالاختلاط والتواصل.
كما توقفت “حبيب” عند ظاهرة “المطابخ الافتراضية” المزدهرة حالياً، والتي أفرد لها ثابت جانباً يكشف جذورها التاريخية؛ إذ يوضح في كتابه “أن بيوت العامة في العصر الوسيط في كل من دمشق والقاهرة كانت تخلو من المطابخ وتعتمد على المطابخ العامة؛ إذ كان الناس يحتفظون في بيوتهم بالمؤن، ويرسلون يومياً مستلزمات الطبخة من حبوب ولحوم وخضار إلى مطبخ عام، حيث تُطبخ وتُعاد إلى بيوتهم في الوقت المحدَّد”.
هكذا يضع “ثورة المائدة” بين يدي القارئ وثيقة ثقافية تختزن ذاكرة المجتمعات، وتكشف جانباً من تاريخ الإنسان الحافل، والذي يمكن أن يُقرأ ببساطة.. من طرف الملعقة.