التهمني عشق الخطابات القديمة؛ فيه أجد إجابات مختلفة على جميع أسئلتي. كأنها ملاك حارس يناجيني دون أن أراه، يرسل الخطابات وفيها السؤال والجواب.
منها خطابات طالب كلية الآداب (علي) وحبيبته (وداد). وبهما بدأت رحلتي مع عالم تجارة الكتب القديمة في “سوق ديانا”.
“هل يستطيع إنسان أن يعيش وحيدا؟”، زيّنت وداد أحد خطاباتها لحبيبها (علي) بذلك السؤال، وأخذت تكتبه مكررا بأكثر من صيغة. ثم أجابت في النهاية، “كلا!”.
تملك وداد قلبا عذبا، لم يعرف طريقا إلى الحب سوى مع طالب كلية الآداب قسم الصحافة بجامعة القاهرة (علي). ربما لم تعرف سواه في المطلق منذ نعومة أظفارها. بيد أن الحب الذي تنعمت فيه انقلب جمرة من النار في لحظة؛ عندما انتقل حبيبها من صعيد مصر إلى القاهرة طالبا في الجامعة، ولم تكن وداد أنهت دراستها الثانوية بعد حتى يتسنى لها الرحيل إلى القاهرة هى أيضا!
افترقا، فكتبت وداد:
“إنني والله العظيم كدت أفقد عقلي..
ماذا أفعل؟
إن حبيبي في القاهرة..
وأنا في بني سويف
فما الحيلة؟..”
زيّلت وداد خطابها بتاريخ (الأحد.. 28/9/1958). فهل كانت تدرك أن خطابها سيأتيني ضمن خطابات حبيبها الصحفي بمؤسسة أخبار اليوم بعد أكثر من 75 عاما، مجيبا عن أسئلتي، وملهما في رحلة من الألم تكاد تشبه رحلة فقد الحبيب!

أنا أيضا يا وداد من بني سويف، فعائلتي سكنت قرية الحمام بمركز ناصر قبل مئات السنين، لا أعرف هل كانت عائلتي -الممتدة بجذورها إلى عشيرة هاشمية تدعى (جرادات)- ممن قدموا مع عمرو بن العاص أثناء الفتح العربي لمصر، أم كانت هجرات مثل التي شهدتها أغلب القبائل العربية مع اشتداد الخلاف بين الهاشميين ومن سواهم في شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام. المؤكد يا وداد أن كل ما أعرفه الآن أنني لا أرى غير مصر وطنا!
تمنيت لو عرفتك يا وداد لأعرف منك سر رسائلك التي وقعت في يدي بالصدفة من أحد تجار سوق الكتاب القديم. ما أعرفه أن حبيبك الصحفي الكبير بمؤسسة أخبار اليوم رحل عن عالمنا عام 2020، وأتتني خطاباتكما بعد بيع مكتبته أو إلقائها في الشارع في عام 2022. لا أعرف أيضا سر الاستغناء عن بقايا حب شديد العذوبة شهدته محافظة بني سويف مسقط رأسي؛ فإذا كنت منتميا إلى تلك الأسرة لما فرطت أبدا في خطاباتك أنت وحبيبك يا وداد. لكنها أتتني صاغرة في النهاية لأنشرها على الناس فيقرأها المحبين يلوذون بها في ذلك العالم الجاف، فاقد العشق!
يكفي أن تعرفي يا وداد أن كلمات الحب في خطاباتك إلى حبيبك الصحفي كانت بردا وسلاما على قلب صحفي آخر ظن أنه فقد طريقه في زحام القاهرة وأصبح بائعا للكتب؛ مكتشفا أن بيع الكتب ما هو إلا سبيل آخر للصحافة، فنحن نكتب ما نعيشه يا وداد، وما نشعر به، نحن نكتب ما نعرفه.

نستكمل باقي المقال الأسبوع القادم..
شهرزاد
جميل يا مولانا. ده كنز اللي معاك
الكنز في محبة حضرتك والله