رجعت إلى منزلي بعد الاطمئنان على حال طفلتي الصغيرة كايلا، والتي انضمت للعائلة قبل شهور، بيد أن رئتيها لا تتحمل ذلك الغبار الذي يلوث الهواء من حولنا. يقول الطبيب: “مش لازم تشم أي روائح نفاذة نهائيا، صدرها مش هيستحمل”.
جلست إلى مكتبي في ذلك الركن الصغير من المنزل، أعددته قبل عام ليكون مستقرا أركن إليه كلما ضاقت الدنيا: أقرأ، أسمع الأغنيات على أشرطة الكاسيت، أقلب في الخطابات القديمة التي اكتشفت عشقها في سوق ديانا، أتأمل ما حدث وانا أسأل نفسي: “هل أخطأت حين أزحت الستار عن مجهول؟”.
أمسكت بكراسة خصتها وداد بخطابات الحب والألم، تقول في إحداها:
“إن قلبي مفعم بالحزن.. إن عيناي مملوءة بالدموع…
ومازلت أبكي.. وسوف أبكي.. حتى يعود حبيبي…”.
وكتبت وداد في أخرى تشكو حبيبها معتقدة أنه ترك أذنيه فريسة لكلام الناس يلقون فيها الأكاذيب حول عشقهما، تقول:
“أنا خايفة أحسن تسمع كلام الناس في القرية وهم بيقولولك شوفلك واحدة أحسن وأجمل وأعلى مركز مني..”
تستكمل وداد في فقرة أخرى من الخطاب:
“… قولي الحقيقة، إنت بتحبني ولا إيه؟ واطمئن، إذا كنت ناوي تسمع كلامهم فأنا وحشة مش كده فمفيش حد راح يبصلي ولا يحبني وأنا كمان حفضل عايشة على حبنا سواء بادلتني أو لم تبادلني..”
لا أعرف يا وداد كيف كان رد حبيبك الصحفي على خطابك، ما أعرفه أنني وجدت الخطابات التي سجلت حبكما في الخمسينات من القرن الماضي بين أرفف كتبه الخاصة جدا، والتي احتفظ بها حتى رحيله في 2020، وأعرف أيضا أنه لم يتخل عن الخطابات التي شهدت ذلك الحب إلا برحيله!
أرسل إليك شكري يا وداد أنت وحبيبك، فأنا أيضا لن أترك عشقي للصحافة لمجرد أن البعض ظن أن ذلك الصحفي الشاب ضل طريقه، أو أن أصدقاء الأمس اكتفوا بالمشاهدة. سأتعلم من الأخطاء إن وجدت، فلست ملاكا يا وداد مثلنا جميعا، لا أحد ملاك. لكننى أحب الكتابة، وأجد فيها الملاذ دوما، وأحب البحث في ثنايا الحياة وتسجيل ما أصل إليه على الورق.
***
أدرت المسجل على شريط كاسيت للمطرب كارم محمود، وأخذت أقلب في الأوراق التي اشتريتها مؤخرا من سوق ديانا، المئات منها. تحتاج إلى فرز وتصنيف وهى مسألة على الرغم من الإرهاق فهي ممتعة وشديدة الثراء.. وصل صوت كارم محمود كأنه يحكي ألمي مع الصحافة حبيبتي:
قالولي عنك مالكش غالي
واللي يحبك يسهر ليالي
وفضلت أعشق هواك سنين
مين غير ما أقولك حبيبي مين
لحد ما أنت ريحت بالي
حكيت للناس ولا عرفتش أداري شوق هواك عنهم
لقيت في ناس ما بتحبش تشوفني في يوم سعيد بينهم
وشوفت قلوب بتتمنى أحبك وأنت تهجرني
عشان لا أسعد ولا أتهنى ولا إنت تبقى متهني
وفضلت أعشق هواك سنين
من غير ما أقولك حبيبي مين
لحد ما أنت ريحت بالي
عن سامح فايز
كاتب وصحفي مصري، من مواليد 1985. تخرج في كلية الحقوق جامعة عين شمس 2007. عمل بالمحاماة قبل أن يتفرغ للصحافة الثقافية، وعمل بأقسام الثقافة في صحف مثل "المصور" و"فيتو" و"التحرير" و"البوابة نيوز" و"القاهرة" و"الهلال".
رأس تحرير بوابتي "كُتب وكتَّاب" و"الشباك" الثقافيتين. وصدر له: كتاب "جنة الإخوان: رحلة الخروج من الجماعة" سيرة ذاتية، ورواية "أسوار القرية"، وكتاب "رحلة يوسف"، وكتاب نقدي بعنوان "بيست سيلر – حكايات عن القراءة"، وفاز الأخير بجائزة ساويرس في النقد الأدبي دورة 2020.