أحدث الحكايا
محمود الورداني

حين يحبك الورداني فيتفنن في شتيمتك!

كان أول لقاء لي بالروائي المصري محمود الورداني قبل عشرين عامًا في قهوة الحرية، عبر شقيقه الأكبر وصديقي عبد العظيم الورداني، أخبرته أنني بدأت كتابة القصة القصيرة وأردت النشر في أخبار الأدب، فرتب لي اللقاء.

في القهوة لم يقرأ الورداني النصوص التي أحضرتها، بل أخذ يسألني عن حياتي: أين أعيش، وماذا أعمل، ولماذا بدأت الكتابة في الأربعين. ثم أخذ الأوراق وانصرف، وتركني غارقًا في الخجل والشك: هل أنا متطفل؟ وهل هي مجرد نزوة عابرة؟

لكن بعد أقل من أسبوعين نُشرت القصة في أخبار الأدب. وكان ما أسعدني حقًا ليس النشر نفسه، بل رأيه في القصة، لأن القيمة لم تكن في النجاح وحده، بل في تقديره له.

 

الروائي المصري محمود الورداني

 

ومن خلال صداقتنا الطويلة عرفت شيئًا عن محمود الورداني: إذا مدح عملًا لك فأنت جيد ويحق لك الاستمرار، أما إذا هاجمك بحدة وتفنن في نقدك، فاعلم أنك كتبت شيئًا بديعًا، ولا تحتاج بعدها إلى شهادة أخرى.

لقد منحني الورداني الأمل والمعنى حين نشر لي من دون معرفة سابقة، وهو ما حدث معه شخصيًا من قبل مع عبد الفتاح الجمل، حين نشر له أول قصة قصيرة في جريدة المساء، وكان محمود يروي هذه الحكاية كثيرًا.

والأجمل، كما كان يردد دائمًا، أنه لا توجد بيننا خلفيات مشتركة تقريبًا، ومع ذلك منح كل منا هذه الصداقة عناية خاصة وحرصًا على استمرارها. وربما كان الرابط الحقيقي بيننا هو الإنسانية.

 

الورداني يسارا بصحبة الراحل مكاوي سعيد ومحمود عبد الوهاب

 

نشأ الورداني نشأة قاسية، وصنع نفسه عبر رحلة كفاح صلبة، بينما نشأتُ أنا في أسرة متوسطة من أصحاب الياقات البيضاء. انخرط هو في السياسة منذ شبابه المبكر، أما أنا فكانت محاولتي محدودة؛ إذ ربيت ذقني في الجامعة أسابيع قليلة بحثًا عن الهوية، فإذا بأبي يقول لي: “أبوس إيدك احلق ذقنك”، ففعلت خجلًا من عبارته. آمن الورداني بالشيوعية والاشتراكية، بينما رأيت فيهما نظريات مثالية عسيرة التحقق، وكان يترك لي مساحة مهاجمتهما، مستمتعًا ومبتسمًا طوال الوقت.

يمكن قياس قوة الصداقة حين يتوقف الصديقان عن المديح الدائم. كان الورداني يقول لي ببساطة إن هذا العمل ضعيف، أو أقل جمالًا من غيره، أو أن كثرة ترميمه جعلته مقبولًا بالكاد. وأنا أيضًا لم تعجبني بعض أعماله. فالصداقة الحقيقية تقدير للشخص لا للفن، تقوم على المزاح والتباسط، حين يتنحى الفن قليلًا لتجلس الإنسانية في مكانه. لذلك، حين قلت له في آخر لقاء: “أنا لا أشعر أنني روائي، بل قاص”، وجد فرصته ليسخر ضاحكًا: “ولا قاص حتى”.

 

الكاتب مع محمود الورداني وعدد من الأصدقاء بعد إحدى الندوات

 

 

عن محمود عبد الوهاب

كاتب مصرى له ثمانية أعمال ما بين القصة القصيرة والرواية، بدأ الكتابة منذ عشرين عاما برواية "سيرتها الأولى"، ثم تتالت أعماله، فأصدر مجموعة "كل شىء محتمل فى المساء" عام 2008، مجموعة "على قيد الحياة"، متتالية قصصية "أحلام الفترة الانتقالية" 2013، رواية "العيش فى مكان آخر" 2014، رواية "زيزينيا"، "الأشياء التى فهمتها"، رواية "متقاعد".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *