أحدث الحكايا

صوتٌ في وجه الرصاص.. كيف يكتب الروائيون حكاية السلام المفقود؟

في الحروب، تتحوّل الأسماء سريعًا إلى أرقام: قتلى، جرحى، نازحون، مفقودون؛ تلك هي لغة الأخبار في مواجهة المأساة، لغة الأرقام التي تحاول إحصاء الخسائر. أما الأدب فيسلك الطريق المعاكس تمامًا، إذ يعيد إلى الرقم اسمه، وإلى الجثة صاحبها، وإلى المدينة وجهها، ولهذا تبدو الرواية كذاكرة بديلة تحمي الإنسان من أن يختفي خلف الإحصاءات والتقارير.
وفي اليوم العالمي للسلام، ربما يكون من الأجمل العودة إلى الأدب باعتباره ذاكرة للإنسان لا للحرب.

ففي رواية «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد سعداوي، الصادرة عام 2013، تبدأ الحكاية من بقايا جثث ضحايا التفجيرات، حين يجمع هادي العتّاك أشلاءها ليصنع منها جسدًا جديدًا، سرعان ما يتحوّل إلى كائن يطارد قتلة أصحاب تلك الأجزاء، رغم أن الجميع نسوا أسماءهم.


ومن بغداد إلى القاهرة، تأتي رواية «عطارد» لمحمد ربيع، الصادرة عام 2015، حيث تبدو الحرب كابوسًا يخيّم فوق المدينة بأكملها. تدور الأحداث في مستقبل متخيَّل تسوده أجواء الاحتلال والعنف، مستدعية في خلفيتها تحوّلات مصر بعد عام 2011؛ وفي هذا العالم القاتم، لا تحرص الرواية على حفظ أسماء الضحايا فحسب، بل تكشف كيف يتسلّل العنف إلى النفس البشرية، فيعيد تشكيل علاقتها بالحياة وبمن حوله.


أمّا في «مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة» لربعي المدهون، الصادرة عام 2015، فنذهب إلى ذاكرة المكان الذي غادره أهله ولم يغادرهم قط. تتألّف الرواية من أربع حركات سردية تتقاطع فيها حكايات الشخصيات مع أسئلة النكبة والهوية والعودة، وهنا لا تكون الحرب لحظة تنتهي بانتهاء المعركة، بل امتدادًا يتوارثه الأبناء عبر الأجيال، لتطرح سؤالًا قاسيًا: كيف يعود الإنسان إلى مكان لم يتوقّف يومًا عن العيش فيه داخل ذاكرته؟

وفي «أرواح كليمنجارو» لإبراهيم نصر الله، الصادرة عام 2015، يتناول الكاتب حكاية أطفال فلسطينيين فقدوا بعض أطرافهم جراء العنف، لكنهم يحلمون بالصعود إلى قمة كليمنجارو -أعلى جبال أفريقيا- في محاولة مستميتة لاستعادة القدرة على الحياة، بعد أن حاول العالم اختزالهم في صورة ضحايا.
وحين نصل إلى رواية «السماء الثامنة» لمحمد سلماوي، الصادرة عام 2026، نقترب من الذاكرة الأقرب زمنًا: غزة. تنطلق الرواية من خبر استشهاد طبيب مصري أثناء إجرائه عملية جراحية لطفل في المستشفى المعمداني، لتفتح مسارًا إنسانيًا عميقًا يستعيد الحب والذاكرة والفقد.


هكذا، من بغداد إلى القاهرة، ومن النكبة إلى غزة، لا تكتفي هذه الروايات بتوثيق وقوع الحرب، بل تسأل بمرارة: ماذا بقي من الإنسان بعد وزرها؟ وهنا تكمن قيمة الأدب في زمن الصراعات، إذ يمنح الضحية حياة ثانية؛ حياة لا يكون فيها مجرد رقم، بل إنسانًا له خوفه، وبيته، وحبّه، وذكرياته الباقية.
وربما لهذا السبب نحتاج، في اليوم العالمي للسلام، إلى أدب الحرب؛ لا لنتذكّر كيف انتصر أحد الأطراف، بل لنتذكّر كم إنسانًا كان بإمكانه أن يعيش، لو لم تبدأ الحرب أصلًا.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *