أحدث الحكايا

حين يتشكل بورتريه درويش من شهادات محبيه

لم يكن شاعر المقاومة الفلسطينية محمود درويش (1941 – 2008) حاضرًا في أمسية «يوم محمود درويش للشعر» التي احتضنتها مكتبة «ديوان» بالقاهرة، إلا عبر الغياب، والقصائد، والذكريات التي حكاها من تقاطعت حياتهم معه، في محاولة جادة لاستكمال بورتريه لشاعر كتب كثيرًا عن الحضور والغياب.

أُقيمت الأمسية بتنظيم مشترك بين معهد العالم العربي ومركز بومبيدو، ضمن مبادرة تشارك فيها عدة مدن ومراكز ثقافية مطلة على البحر المتوسط احتفاءً بذكرى الشاعر. وأدارت اللقاء الصحفية داليا شمس، وبدأت الفعاليات بعرض فيلم رسوم متحركة عن قصيدة «لاعب النرد» للمخرجة نسمة رشدي، التي أنجزته وهي في الثامنة عشرة من عمرها كمشروع تخرج بحثت فيه عن أساليب بصرية معاصرة للتعبير عن الشعر العربي، وحاز الفيلم جوائز عدة في برلين وعُرض في دول مختلفة.

وذكرت الصحفية داليا شمس أن هذه القصيدة تُعد من أواخر ما كتبه درويش، واصفة إياها بأنها مرثية شعرية أو سيرة ذاتية يلخص فيها حياته وموقفه من الحياة والموت. ثم طلبت من الضيوف إكمال هذا البورتريه من زوايا نظرهم المختلفة.

استعاد الإعلامي نبيل درويش، أحد مؤسسي إذاعة مونت كارلو بباريس، صداقته بالشاعر منذ لقائهما الأول في صوفيا ببلغاريا عام 1968، وتحدث عن طفولته القاسية بعد تهجير عائلته إلى لبنان، مشيرًا إلى أن تصنيفه الرسمي كحاضر غائب ترك أثرًا عميقًا جعل ثنائية الحضور والغياب لازمة في شعره.

مؤلف كتاب «محمود درويش في مصر.. المتن المجهول» الناقد سيد محمود عن رحلة بحثه الطويلة لإنجاز كتابه، بدءًا من أول لقاء صحفي صعب معه في الجامعة الأمريكية عام 2003، مرورًا بالأمسية اليتيمة التي أحياها درويش بالإسكندرية، وبوحه له بعمله شابًا بصحيفة «الأهرام». وألقى الضوء على دور الكاتب أحمد بهاء الدين في استقدام درويش إلى القاهرة عام 1971 وفتح إصدارات دار الهلال أمامه، وذلك بعد أن أثنى درويش على شعر المؤرخ الفلسطيني إميل توما وغسان كنفاني في الصحف المصرية، مدركًا مبكرًا حاجته إلى صياغة صورة شعرية تخصه وحده بعيدًا عن أقرانه المعاصرين.

 

 

سيد محمود متحدثا عن أول لقاء مع محمود درويش

 

 

واستعادت السفيرة ليلى بهاء الدين، ابنة الكاتب أحمد بهاء الدين، ذكريات طفولتها وهي تسترق السمع إلى أحاديث والدها مع درويش الذي لم يكن شخصية أدبية أو سياسية، بل شخصًا يأتي إلى البيت ويشارك الأب الحديث، مع الاعتراف بالغيرة منه لأن والدها كان يعتبره بمثابة ابن له.

وجاءت الشهادة الأكثر تأثيرًا من الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي اعتُقل نحو ثلاثة وثلاثين عامًا وأُفرج عنه، ولم يلتق درويش قط، لكن مسار حياته تقاطع معه في الطرد والسجن والمنفى. روى أبو سرور كيف كانت قصائد درويش وسيلة للتعبير والغضب في التظاهرات ضد الاحتلال الإسرائيلي، وفرصة للتودد لمن أصبحت زوجته لاحقًا عبر رسائل السجن، وكيف استطاع درويش أن يعبر عن غضبه بالرمز لا بالمباشرة في مواقفه السياسية الرافضة لاتفاقيات التسوية.

ومن بين هذه الشهادات المتنوعة لمن عرفه عن قُرب ومن عرفه عبر الشعر، حاول الضيوف معًا رسم بورتريه نابض بالحياة لشاعر عاش متفرغاً للقصيدة والمقاومة.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *