أحدث الحكايا

سعاد حسني.. الموهبة التي صنعها الفضول

لم تلتحق سعاد حسني، «سندريلا الشاشة»، بأي مدرسة طيلة حياتها؛ لرفض والدها ذهاب بناته إلى المدارس، فاكتفت بتعلم أساسيات القراءة والكتابة ذاتيًا في المنزل وهي في السادسة عشرة. وفي غمرة تلك التجربة المبكرة، تذوقت الشعر وغنت الموشحات والأناشيد قبل أن تتقن القراءة نفسها، فدخلت عالم الكلمة من الأذن قبل العين، ومن الإحساس قبل الفهم.
لم تكن موهبتها مدينة لصفوف الدراسة بقدر ما كانت ثمرة مجهود شخصي، بدأ حين اكتشفها الشاعر والكاتب عبد الرحمن الخميسي في منتصف الخمسينيات، واختارها لأداء دور «أوفيليا» في مسرحيته المقتبسة عن «هاملت»، قبل أن يضمها المخرج هنري بركات إلى بطولة فيلم «حسن ونعيمة» عام 1959. لقد كان هذا اللقاء نقطة تحول كبرى أخرجتها من سطوة الأب إلى فضاء أرحب.
ومن أكثر الشهادات كشفًا عن عمق علاقتها بالأدب، ما روته بنفسها عن الشاعر صلاح عبد الصبور حين أجابت عن طبيعة العلاقة بينهما بعبارة موجزة: *”طول عمري أحب الشعر”*. ذلك أن فضولها للتعلّم والتحرر من الجهل كان متقدّمًا على عواطفها، وهي من أعقد سمات شخصيتها التي عاشت التجربة العاطفية والفكرية معًا.


أما صلاح جاهين، فكان الأقرب إلى قلبها ثقافيًا وإنسانيًا، إذ اعتبرته أباها الروحي، فاطلعت على كامل أعماله المكتوبة بالعامية المصرية لعمقها وجرأتها، وسجلت بصوتها إحدى رباعياته الشهيرة.
هذه الذائقة الرفيعة ظهرت جليًا في فيلم «صغيرة على الحب» عام 1966؛ إذ لم تكتفِ بأداء الأغنية التي كُتبت لها، بل قدمت ملاحظاتها على ثلاثة نصوص مختلفة إلى مخرج الفيلم نيازي مصطفى حتى استقرت على النص الأنسب. وتلخص هذه التفاصيل شيئًا جوهريًا في شخصيتها: أنها كانت امرأة تقرأ بعناية، وتختار بذوق، حتى وإن لم تحمل شهادة دراسية واحدة.
وامتدت علاقتها بالأدب إلى الرواية، فجسّدت ببراعة بطلات إحسان عبد القدوس، الكاتب الذي كان له حضور استثنائي في تحويل أعماله إلى أفلام شكّلت محطات كبرى في مسيرتها، حتى إنها رافقته لزيارة الطبيب النفسي أحمد عكاشة ليشرح لها التناقضات الداخلية لتلك الشخصيات.
ومع نجيب محفوظ، بدأت الرحلة ببطولتها فيلم «الطريق» عام 1964، لتتوالى بعدها أعمال مقتبسة من رواياته مثل «الاختيار» و«الكرنك»، حاملة توقيع أديب نوبل وحضور سعاد حسني التمثيلي. وبعد رحيلها، كتب عنها محفوظ في مجلة «الكواكب» مقالًا خالدًا بعنوان: *”أعظم ممثلة عرفتها السينما”*.
ومن أطرف حواراتها الفكرية، نقاشها الفلسفي العميق مع الدكتور مصطفى محمود حول الموت والحرية والاختيار، حين سألها عمّا ستفعله لو عرفت أن القيامة بعد أربع وعشرين ساعة، فأجابت بمزيج ساحر من السخرية والجدية.
وقد كشفت كتب حديثة، مثل «سعاد حسني بخط يدها» لولاء جمال، وجهًا آخر لها: إنسانة عميقة ومثقفة حقًا، رأت في القراءة عالمًا حُرمت منه في طفولتها، وأداة لفهم الأدوار المركّبة التي قدّمتها. وهكذا، صنعت لنفسها جامعة موازية: شعراء علّموها الكلمة، وروائيون أعاروها شخصياتهم، وأديب نوبل وفيلسوف؛ وبين كل هؤلاء، ظلّت «أخت القمر» تقرأ العالم بعينين فتحهما الفضول وحده.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *