أحدث الحكايا

«مقهى ريش».. حيث يلتقي صخب السياسة بسحر الرواية

في قلب شارع «طلعت حرب» (سليمان باشا قديماً) بوسط القاهرة، يقف مقهى «ريش» شامخاً فشاهداً على أكثر من قرنٍ من الحراك الثقافي والسياسي؛ فهو ملتقى الأفندية من الطبقة الوسطى، ومأوى دعاة الثورة ورجال الفكر، كما وثّق المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في «تاريخ مصر القومي».

تأسس المقهى عام 1908 على أنقاض أحد قصور أمراء الأسرة العلوية، لينسج على غرار المقاهي الأدبية في باريس. وتعاقب على ملكيته النمساويون والفرنسيون واليونانيون، قبل أن تُسند ملكيته إلى المصري عبد الملاك خليل، في مسارٍ استعاد حكاية تحولات العاصمة نفسها.
لم يكن «ريش» مجرد مساحة لاحتساء القهوة، بل كان منتدى فكرياً وفنياً بامتياز؛ ففي عام 1916 انسابت في أرجائه ألحان سيد درويش، وصداح صوت أم كلثوم لاحقاً.


وهناك اعتاد أديب نوبل نجيب محفوظ عقد ندوته الأسبوعية مساء كل جمعة، وفي أروقته ولدت روايته «الكرنك» لتكشف عن هواجس السلطة تجاه المثقفين، بينما احتضنت قاعاته مجالس عباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم.

ولم يقتصر صخب المكان على أهل الأدب؛ بل اتسع ليشمل أقطاب الفن والفكر والسياسة؛ فتردد عليه محمد عبد الوهاب، والشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، إلى جانب أسماء سياسية بارزة كجمال عبد الناصر وصدام حسين.
أما الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي، فتربطه بالمقهى عاطفة تمتد لأكثر من نصف قرن؛ إذ يراه متحفاً حياً ومعرضاً فنياً لا يكاد يخلو من أثر كاتب أو فنان مصري مرّ به يوماً. بينما خلّد شاعر العامية أحمد فؤاد نجم المكان في قصيدته الساخرة «التحالف» بعبارته الشهيرة: *”يعيش المثقف على مقهى ريش.. يعيش يعيش يعيش”*. وتطول قائمة الرواد لتضم يوسف إدريس، وأمل دنقل، ويحيى الطاهر عبد الله، وصلاح جاهين، وثروت أباظة، ونجيب سرور.


ولم يكن «ريش» بمنأى عن التحولات الكبرى؛ إذ أُغلقت أبوابه إثر مظاهرة خرج بها الأدباء احتجاجاً على اغتيال الأديب الفلسطيني غسان كنفاني عام 1972. وفي محطة لافتة، كشف زلزال القاهرة عام 1992 عن سرداب سري أسفل المبنى، عُثر فيه على مطبعة يدوية كانت تُستخدم لطباعة المنشورات السرية الداعية لثورة 1919؛ في اكتشافٍ صدم الذاكرة التاريخية.
واليوم، ورغم نوب التغير وعواصف الزمن، يظل «ريش» في وجدان الثقافة العربية رمزاً لحقبة ذهبية من الحرية والمقاومة الفكرية، ومزاراً لكل من يستقرئ أثر الكلمة في جدران القاهرة العريقة.

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *