مع مرور الزمن وتبدّل ملامح العمران، وتغير تفاصيل الشوارع، إلا أن النغم يظل وثيقة تاريخية والحارس الوفي لجغرافيا المكان؛ فعلى مدار مائة عام، لم تكن الأغنية المصورة مجرد كلمات وألحان، بل شكلت سجلًا ثقافيًا وتاريخيًا حيًا وثق التحولات العمرانية والاجتماعية في مصر. فالعمارة والمكان يمتلكان لغة خفية تتسلل إلى وجدان الأغنية، لتنسج هوية بصرية موازية لهويتها السمعية، متجاوزة حدود الزمن.
هذه العلاقة الجدلية بين “النغم والعمران”، كانت المحور الأساسي لندوة ثقافية احتضنها متحف نجيب محفوظ في “تكية أبو الدهب” المقابلة لجامع الأزهر الشريف، والتي جاءت بعنوان “نغم .. العمارة والمكان في ذاكرة الأغنية المصرية”، والتي كانت نافذة أطلّ منها واستهل المعماري “سالم حسين” الأمسية التي أعدها برفقة فريق بحثي يضم: ندى يحيى، فرح أحمد، ورهف محمد، ليُعيد تعريف العمران في العمل الفني، وكيف حفظت الأغاني للأجيال المتعاقبة ملامح المدن وتطور الشوارع والحدائق والحياة اليومية فيها، كوثيقة أصلية لهوية المكان.
كما أنه عرف “التناغم” بأنه التناسق الذي يكتمل به المعنى:
“أن الصورة والصوت والكلمة واللحن والمفردات المعمارية، جميعها يصنع معنى في وجدان المتلقي يظل معه طيلة العمر”.
المعماري سالم حسين متحدثا عن مراحل علاقة النغم بالعمارة
وإذا تتبعنا مسار رحلة توثيق الأغنية معماريًا، فالبداية كانت في الأماكن المتخيلة داخل الاستوديوهات السينمائية للأفلام المنتجة قبل الخمسينيات، والتي ظل فيها الواقع المعماري بعيدًا عنها، بينما في الثانية التي استمرت حتى أواخر الثمانينات، خرجت الأغنية إلى المدينة فأصبحت بشوارعها ومبانيها جزءًا أصيلًا من المشهد الغنائي، تلا ذلك المرحلة الثالثة والمستمرة حتى الآن، وفيه أصبحت الأغنية حارسًا يسجل تفاصيل الشواطئ والسواحل والمدن الجديدة.
رهف محمد متحدثة عن علاقة الاغنية بالأحياء الشعبية
واستعرضت الندوة نماذج وثقت المعالم السياحية والهوية العمرانية بمصر ولبنان، سواء كانت الأغنية في فيلم سينمائي أو تتر درامي، إلا أنها تظل مستقلة بدلالاتها المكانية، مثل: أغنية “زينة” التي أضيفت إلى فيلم “أنت حبيبي” وتُعد أول فيديو كليب مصور بالمعنى الحديث، والتي سجلت جزءًا من ملامح حياة النوبة، وأغاني فيلم “غرام في الكرنك” الذي وثق الآثار المصرية في الأقصر وأسوان، وأغاني فيلم “أبي فوق الشجرة” التي حفظت لنا ملامح شاطئ المعمورة بالإسكندرية.
صورة من فيلم غرام في الكرنك
كذلك رصدت الأغاني طبيعة الحياة الاجتماعية والمعمارية في الحارة الشعبية، فجسدت أغنية “يا رايحين الغورية” لمحمد قنديل تفاصيل الحياة في الحي العتيق، بينما كشفت أغنية “ساكن في حي السيدة” لمحمد عبد المطلب جغرافية المنطقة، موضحة تبعية الحسين لحي الجمالية، كما أبرزت الأغنية العبقرية المعمارية للشوارع فيها والتي لن تشعر فيها بأي ملل رغم أنها تمتد إلى ثلاثة كيلومترات، وهذا لتصميمها الهندسي المميز.
وأخيرًا، فالعمارة في الفن ليست خلفية صامتة للأحداث، بل شريكًا كاملًا في صناعة وصياغة المعنى؛ فكما تحفظ الكتب تاريخ وجغرافيا المدن، أيضًا تحفظ الأغاني وجوه وملامح المدن والشوارع. فالأغنية المصورة تُعد مؤرخًا مصورًا للمكان، ويمنح فرصة للبقاء في الذاكرة رغم تغير ملامح المكان، وبهذا تتجاوز حدود دورها الترفيهي.