أحدث الحكايا

من “عيش السرايا” إلى ذاكرة أم درمان.. حمور زيادة يغزل حكايات البسطاء

كتب: هاني سمير

ما بين الضحكات والتلعثم العابر، عن ماركيز ونجيب محفوظ وعمر البشير، وعن القرية وأم درمان، وصولاً إلى الطبيبة المجنونة و”عيش السرايا” الذي تحول من مجرد حلوى عابرة إلى نافذة يطل منها الكاتب على عالم لا ينتهي من القصص؛ لأن “الحكاية زادٌ لا ينقطع”. في هذا الفضاء الحميمي بمكتبة “تنمية” بالمعادي، غزل الكاتب والروائي السوداني حمور زيادة خيوط لقائه مع الكاتبة كارولين كامل، حول روايته الأحدث ذات العنوان الممتد: “حادثة عيش السرايا وما يتعلق بها من وقائع مسلية”، الصادرة عن دار العين؛ لقاءٌ انطلق من تساؤل مربك: “هل القصة الشعبية أحقّ بالتصديق من الواقعة التاريخية؟”.

 

 

الروائي السوداني حمور زيادة خيوط مع الكاتبة كارولين كامل

 

هذا التساؤل كان مفتاحاً لانحياز زيادة التام للحكاية الشعبية على حساب التفسير العلمي الجاف؛ إذ استدل بالفتاة التي صعدت إلى السماء في “مئة عام من العزلة” لماركيز، واستعاد قصة عائلية لجد أُصيب بجلطة فحبس نفسه ليتعلم الكتابة بيده اليسرى، مفضلاً انتصار سردية “العزيمة” على التفسير الطبي الذي يقول إن الرجل كان “أعسر” في صغره وأُجبر على الكتابة بيمينه؛ فالأدب في رأيه يمنح الخيال مساحةً للإبداع تضيق عنها كتب التاريخ الرسمية.

وفي تتبع ممتع لملامح العمل، دار الحديث حول بطل الرواية الذي يقتات على الملل والانتظار بعد فقدان سلطته، وعلاقته بأرشيف الأجهزة الأمنية في عهد عمر البشير؛ حيث وصف زيادة تلك الوثائق بالتهافت، مستشهداً بملابسات اعتقال الصادق المهدي عام 1989م.

ولم يكن اختيار “القرية” في حديث زيادة عابراً، بل وصفها بفضاء سردي مغلق يسهل التحكم في مصائر شخوصه مقارنة بالمدينة، معرجاً على تأثره بنجيب محفوظ والطيب صالح، وهو ما يلمسه القارئ في مجموعته “سيرة أم درمانية”. وفيما يخص شخصية “الطبيبة”، أعادها زيادة إلى ذاكرة التسعينيات الشعبية، رابطاً وصمة “الجنون” بتاريخ طويل من محاولات إسكات النساء المتمردات على القوالب الاجتماعية الجاهزة.

ولم تنفصل ظلال السياسة عن مناخ الرواية؛ إذ حلل زيادة خطاب النظام السوداني البائد وتحوله من الثورية المدّعاة إلى العداء الصريح للخارج، معتبراً إياه سلوكاً ينم عن السذاجة أكثر من الاستراتيجية. ليخلص في ختام أمسيته إلى أن الأدب هو صوت المهمشين الذي تعجز المدونات الرسمية عن طمسه، مسترجعاً تجربته الشخصية مع مقص الرقيب والاستدعاءات الأمنية، ليؤكد أن العمل الأدبي الذي لا يثير نقاشاً أو يفتح باباً للاختلاف، هو عمل لم يُكتب بعد.

 

 

عن شهرزاد

المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *