أكتبُ فقط لمُتعتي الشَّخصية، كما أنَّ عملي هو الكتابة طَوالَ حياتي، وليس لي مهنةٌ أخرى أزاولُها؛ ليس لأنَّني عشتُ صحفيًّا في مؤسسة الأهرام، درس الصحافة وامتهنها؛ فالصحافة شيءٌ وكتابة الأدب شيءٌ آخر تمامًا؛ ولذا أعتبرُ القراءةَ مهنةً مثلها مثل الكتابةِ تمامًا، وإنْ كانت القراءةُ أكثرَ مُتعة، وبشكلٍ عام كلما قرأتُ مئة صفحة أكتب فقط مئة كلمة، وربَّما أقل أو أكثر، وقراءاتي لها طريقان: الأول للمُتعة والمعرفة، والطريق الثَّاني وظيفيٌّ يهدفُ إلى معرفة موضُوعٍ مُعيَّن، وتلك القراءة تُذكِّرني بسنوات المُذاكرة في المدرسة والجامعة، أي أنَّ القراءة الوظيفية تسْهمُ وتدعمُ وتفتحُ أفقًا آخر لي وأنا أكتبُ.
وللقراءة الوظيفية عندي نوعٌ من المكتبات المُتنقِّلة أو المُتحرِّكة من مكانٍ إلى آخر داخل البيت، غير مكتباتي الشَّخصية الموجُودة في أكثر من بيتٍ، دعني أفسِّر: إذا كُنتُ مُقبلًا على كتابةِ نصٍّ لي أو شهادة أو مقالٍ ما؛ فأنا أجمعُ ما يتيسَّرُ لي من كُتبٍ يمكنُ أن تفيدَني في هذه المكتبات المُتنقِّلة.
وأعتبرُ نفسي تلميذًا مُجتهدًا يتعلَّم كل يوم جديدًا في عالم القراءةِ والكتابة، ومن يرى نفسه مُعلِّما أو أستاذًا؛ فلن يضيفَ شيئًا إلى تجربته، ويصبح ما يكتبُهُ من قبيل المُراكَمة وإعادة الإنتاج، واجترار الذَّات.
ولم تكُن كتابة الرواية مُفاجأة لمن يعرفونني أو من هم قريبون منِّي؛ لأنَّني بطبيعة الحال قارىءٌ جيدٌ للرواية، وطوال حياتي أمتلكُ صداقاتٍ عميقةً مع أبرز كُتَّاب الرواية في مصر وغيرها من البلدان العربية، كما أنَّني حكَّاء بالفِطرة، وجئتُ من قريةٍ ملأى بالأساطير والخُرافات والسحر والعلوم الباطنية، ومسكُونة بالحكي، كما أنَّ موقعَها الجُغرافي في حِضن النِّيل جعلها أشبهَ بجزيرةٍ كبيرةٍ مُنعزلةٍ يسكُنُها النيلُ وتسكُنُهُ، وكل منهما يبثُّ الآخرَ أسرارَه وبواطنَه وعوالمَه السِّحْرية العجيبة، هي قرية التصوُّف والسِّحْر والعلم أيضًا ،ويمكنُ أن أسمِّيَها: “سرّ الأسرار”.
وقد عِشتُ أولِّدُ أفكارًا روائيةً لغيري، وعايشتُ تجاربَ عديدةً وغريبةً ومُهمَّة ومُلْهِمة فعلت فعلَها في رُوحي، ورأيتُ أنه آن الأوانُ لكتابتها، وهأنذا أواصلُ كتابةَ الرواية جنبًا إلى جنب الشِّعْر الذي هو هُويتي واسمي، ولا يعني كتابتي الرواية أنَّني تخليتُ عن الشِّعْر الذي هو حُلمي ومسعَاي في الحياة الثرية التي أعيشُها.
“عِشتُ أولِّدُ أفكارًا روائيةً لغيري، وعايشتُ تجاربَ عديدةً وغريبةً ومُهمَّة ومُلْهِمة فعلت فعلَها في رُوحي، ورأيتُ أنه آن الأوانُ لكتابتها”
حجاب الساحر
ورواية “حجاب السَّاحر” قد أخذت مني وقتًا طويلًا في كتابتها، حيثُ كتبتُها خلال خمس سنوات وليس بشكلٍ مُتصلٍ، ولن أكرِّر مسألةَ الانقطاع هذه مرةً أخرى؛ لأنَّ الروايةَ تحتاجُ إلى تفرُّغٍ ومُواظبةٍ ومُواصلةٍ ومُتابعةٍ يوميةٍ، ومُعايشةٍ مُستمرةٍ مع الشخصيات، لكنَّني مارستُ عادتي أو تقليدي في عرضِ ما أكتبُ على عددٍ قليلٍ من أصدقائي القريبين لأئتنسَ بآرائهم في النصِّ، كما أنَّني حادٌّ في التعامُل مع نفسي في مسألة مُمارسةِ الحذْفِ داخل النصِّ قبل أن أدفعَ بهِ إلى المطبعة.
وأنا لا أنشغلُ بالمردُود اليوميِّ، أو أصداء الكِتابة من النقَّادِ والكُتَّاب عن عملٍ أدبيٍّ لي، فبمُجرَّد صدُور عمل جديد لي، يصبحُ غريبًا عني بمُجرَّد خرُوجه من المطبعة، ولا شك أنَّني محظُوظٌ بردُود الأفعال حول روايتي ” حجاب السَّاحر “، وكونها وصلت إلى اللائحة الطويلة لجائزة زايد للكتاب سنة 2023 ميلادية ،فهذا أمرٌ مشجِّعٌ، وهذه هي المرة الرابعة التي يصلُ فيه عملٌ لي إلى القائمة الطويلة لجائزة زايد للكِتَاب، وقد حدث ذلك مع ثلاثة كُتب شعرية لي صدرت جميعا مثل الرواية عن الدار المصرية اللبنانية هي: سماءٌ باسمي، لا أراني، ما أنا فيه.

شهرزاد
