أحدث الحكايا

شكرًا لساعي البريد.. ما بين الحب الورقي والإلكتروني

أراجع روايتي الجديدة “حكايات عزيزة” للمرة الحادية عشرة، ولم أنته منها بعد، أضحك كلما قرأت المشهد الذي يرسل فيه البطل خطاب حب لزميلته فيقع في يد والده. أتذكر تفاصيل المصدر الحياتي للمشهد، الخطاب الوحيد الذي أرسلته إلى (حبيبتي!) وأنا في الصف الرابع الابتدائي، وأعطيته لزميلي أحمد رجب الذي أغراني أصلًا بكتابته، ليسلمه إلى الحبيبة، فأعطاه لعمي، وعمي أعطاه لوالدي، وأصبحتُ (مسخرة العائلة) لفترة؛ العاشق الصغير الذي يكتب الخطابات والأشعار!

هل إلحاح أحمد رجب كان السبب الحقيقي لكتابتي للخطاب؟ أم أنني خجلت من الاعتراف وجهًا لوجه، ووجدت أن الخطاب يجنبني الإحراج، وخوف الرفض المباشر، فأن يرفض خطاب أفضل من رفض الشخص في وجهه؟!

أم أنني تأثرت بالأفلام التي كنت مدمنًا على مشاهدتها، ونادرًا ما يخلو منها فيلم من خطابات بين الأبطال الأحباب ينقلها ساعي البريد أو تنقلها الخادمة الشهيرة “وداد حمدي”؟

أو ربما كان الأثر الأكبر لأغنية جواب التي غناها عبد الحليم حافظ بلوعة في فيلم “البنات والصيف”.. (وختامًا لك ألف سلام، ومحبة وأشواق وغرام.. من قلب لا يهدا ولا ينام، قلب حبيبك)، وأغنيته “فاتت جنبنا” التي يرسل خلالها خطابًا (وبعت كلمتين. مش أكتر من سطرين. قلت لها طمنيني. قولي لي أنا فين). وكم حلمت؛ وأنا أكتب خطابي الغرامي الوحيد في حياتي، بالحصول على النتيجة نفسها (وجاني الرد جاني. ولقيتها بتستناني. وقالت لي أنا من الأول. باضحك لك يا اسمراني) لم يكن يخيفني سوى أنني (أبيضاني)!

أفرغ من الضحك فأحاول أن أستعيد مشاعري وقتها، شكلها وحجمها ولونها وصوتها وطعمها، وكيف كنت أفكر في ماهية الحب، ومواصفات الحبيبة؟ لا أفلح بدرجة كبيرة، وانتظر اكتشافها في رواية أخرى قادمة. وأتذكر حكايات حب (حقيقية) حملتها الخطابات وأصبحت شهيرة، وتثار في عقلي أسئلة عديدة.

 

كذلك حدثت معي قصة طريفة كان بطلها الخطابات الورقية. كنت طالبًا بالجامعة حوالي عام 1987، أراسل مجلة شهيرة ومهمة وقتها متخصصة اسمها (كاريكاتير) رئيس تحريرها مصطفى حسين صاحب الثنائي الشهير مع الكاتب الساخر أحمد رجب. نشرت في مجلة (كاريكاتير) بعض الكتابات الضاحكة والساخرة.

غلاف العدد الأول من مجلة كاريكاتير

 

أعلنت المجلة عن مسابقة. رسم كاريكاتيري للفنان حجازي بدون تعليق، وعلى القراء كتابة تعليق مناسب وإرساله للمجلة، وأفضل تعليق سينشر على الرسم مع اسم صاحب التعليق وجائزة قدرها 25 جنيهًا، وهو مبلغ معقول يساوي مصروفي لمدة أسبوع تقريبًا. كتبت عددًا من التعليقات، واحترت أيها أرسل؟ فأرسلتها كلها في عدد من الخطابات، تعليق باسمي، وتعليق باسم كل واحد من إخوتي وأخواتي. فوجئت بأن أحد تعليقاتي فاز بالمركز الأول، نشر مكتوبًا على رسم حجازي وتحته اسم الفائزة (أسماء السيد عتيبة)، كانت أصغر إخوتي، في الثانية من عمرها تقريبًا (رحمها الله، أسرعت إلى الجنة قبلنا جميعًا).

ليس هذا هو الطريف في الأمر، الأطرف أن يصل خطاب من السعودية باسم أسماء من شاب يهوى المراسلة ويريد التعرف إليها. كالعادة قرأت العائلة وأصدقائي كلهم الخطاب، وكان مادة للفكاهة، لكني لم أتوقف عند هذا، بل تقمصت شخصية أسماء وكأنها في السابعة عشرة من عمرها وكتبت له خطابًا مهذبًا أوافق فيه على الصداقة ليحكي لي عن مدينته لأنني أحب التعرف على البلاد وناسها وعاداتها، ورد علي بالفعل مرة أخرى، لكني مللت بسرعة ولم أرد على خطابه الثاني، أرجو أن لا أكون قد كسرت قلبه!

عن منير عتيبة

روائي وقاص وكاتب للأطفال والدراما الإذاعية، مؤسس ومدير مختر السرديات بمكتبة الإسكندرية، رئيس تحرير سلسلة كراسات سردية التي يصدرها مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، مقرر لجنة السرد القصصي والروائي بالمجلس الأعلى للثقافة، عضو لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة (2013 - 2019)، وقد حصل على العديد من الجوائز منها جائزة اتحاد الكتاب.

55 تعليقات

  1. انت عبرت تعبيرا صادقا عن ما عشناه جميعا فى عالم الخطابات سواء الحبيبات الطفولة والمراهقة وما بعدها وخطابات نحمل ذكريات وتجارب وحياة، ومهما أصابت التكنولوجيا العالم والحياة وأفرغتها من مذاقها الرائع يظل لساعة البريد دوما كلمة شكر، احييك اخى على سردك الممتع المشمول مشهدية عالية ومصحوب بضحكات صافية تخرج من القلوب صافية مجلجلة تنادى عبق الأمس وجماله وتنادى فعلا لنزع رداء الظواهر العالمية التى هدفها جعلنا ندور فى فلكها دون بصر أو بصيرة.

    • تسلم المبدع الأستاذ أحمد طايل

      • الله رجعتنى لزمن الحب ومشاعر الدفى فعلا شكر ياساعي البريد

      • صدقت “علينا أن ننزع غطاء الثيران من فوق عيوننا لنعرف أن العالم مليء بما هو غير هذا الغرب،”
        دمت بإبداع راقٍ وإن توقفت القدرة على صياغة المشاعر على قدر ما نحمل من إنسانية ومشاعر نبيلة ودائماً ما يولد الإبداع من رحم المعاناة والأحزان أكثر منه في الرفاهية و التقدم والمكينة.
        يحتاج من يمسك بالقلم الآن لمضغة تشعر وعقل واعٍ.
        دمت بألف خير موفق

  2. أحمد محمد علي حسين

    مقال أكثر من رائع؛ فعلا نسى جيلنا عبارة،( شكراً لساعي البريد ) جمع المقال مابين الذكريات والفكاهة في مزيج شيق بنكهة مختلفة آثارت في عقولنا نسيم الماضي الرقيق واختلاف الواقع بخطاه السريعة .

  3. رضا عبدالنبي

    في الحقيقة لا أعرف سأبدأ من أين لكن أريد أن اقول أولا أن للأستاذ منير عتيبة لغة خاصة مثيرة للدهشة وممتعة للغاية لدية القدرة على جذب القاريء وجعله متفاعل معه في قصصه وكأنه أحد أبطال عمله الحكائي إلى جانب قدرته على جعل أي شيء من الحكايات السردية له رونق مختلف بلغته وطرحه وبداية الحوار ونهايته ، ليس ذلك المقال أول ما أقرأه لكن الجميل في كله مره هو قدرته على جعلى أكمل الحوار والقراءة بسعادة ومتعة وتفاعل وتشوق لمعرفة الأحداث والمسارات ، لذا أود أن أشكره على ذلك المقال الممتع المختلف الثري

  4. فاطمة فهمي أحمد

    “شكرا لساعي البريد” فعلا عبارة لا تعرفها الأجيال الجديدة وكنا نكتبها ونحن نعنيها بالفعل مقدرين دور ساعي البريد والآن في ظل الرسائل الألكترونية أراها بلا طعم ولا روح فالورق دائما له رائحته وسحره.
    شكرا لك أ.منير على استدعاء الجميل دائما لتذكرنا به
    💐💐💐

  5. محمد رجب عباس

    تطوان رائع حول فلسفة الرسائل..وذلك الرسول أو المراسل الورقي
    الذي نصارحه بكل مافي داخلنا من لواعج ومشاعر انسانيه نخجل أن
    مسافه ونجابه بها من نقصده ونعنيه وكم مفارقات لأثر الرسائل. ..كما
    تفضل الاديب منير عتيبه بالتنازل لرسائله وتوابعها وجرائرها عليه
    ورسائل فرانز كافكا الي حبيبته ميلينا…والعديد من الأشخاص البارزون
    في عالم الرسائل..ولنا في رواية البوسطجي للعظيم يحيي حقي
    أسوة في أثر الرسائل وتاخرها في توجيه مصير الفرد ..
    تطواف رائع من اديب جميل..ومقال فريد ..

  6. نبيلة المسيري

    دامت الذكريات الجميلة، دام نبض القلم المتألق كعادته أديبنا الراقي الخلوق

  7. د شربات احمد

    مقال رائع جدا استاذنا الكبير اسلوبك في الكتابة جذاب وطرحك للفكرة روعة
    نتعلم من سيادتك . دام التميز والابداع

  8. رزان نعيم المغربي

    الله .. لامسني بشكل شخصي هذا المقال الجميل، عدت بالذاكرة لاول رسائلي ..وتذكرت معك الافلام العربية وخطابات العشاق الشهيرة والجميل اني اعشق اغنية حليم فاتت جنبنا هي قصة قصيرة مغناة وكلها بهجة ودراما ورومانس …وشكرا لك ولساعي البريد الذي مازال يأتينا هنا في هولندا بالرسائل والطرود وهذا اجمل مافي الامر ان معظم الدول الاوربية لم تتخلى عن هذا التقليد

  9. الكاتبة أمينة الزغبي

    أنا من هذا الجيل الذي شكر ساعي البريد، وكان يتهلل وجهه بشرا حينما يسمعه ينادي في مدخل العمارة. بوسطة. مازلت احتفظ بخطابات خطيبي الذي أصبح زوجي الي الآن. صفحات فلوسكاب. لها مذاق خاص. لا يمكن أن تتساوي مع أي رسائل إلكترونية مقتضبة. تحمل الكثير من الاغنيات التي ذكرت حضرتك بعضها. لذلك فالمقال يلعب علي مشاعر القراء. وخاصة الجيل الورقي. جيل ساعي البريد. أما الأجيال الجديدة فالبريد الإليكتروني هو الأنسب لطبيعة حياته م( التيك أواي) جيل الاختصارات.. أنجز.. لخص.. هات من الأخر.. هذه المقالات جعلتن مثل شهر يار الذي ينتظر حكاية جديدة من حكايات شهر زاد، التي تحولت إلى حكايات منير عتيبه. شكرا لهذه المتعة الأدبية أستاذ منير.

  10. شرقاوي حافظ

    منير عتيبة من الكتاب المتنيزين.. سواء على مستوى المصمون او الأسلوب ..دمت ىائعا ومتنيزا دائما

  11. د.حنان الشرنوبي

    دوام التوفيق والتألق يا رب مبدعنا المتفرد ..

  12. كتابة بديعة، ومقال رائع أعاد إلينا هذا الزمان الجميل، وتلك الحياة التي عشقناها ونتمنى أن تعود إلينا.. لكنها لن تعود، وستبقى تمنحنا البهجة كلما مرت على قلوبنا
    دمت رائعًا ومبدعًا ودام هذا القلم الجميل

  13. من الفيل الأبيض إلى إلى كافكا إلى كنفاني إلى منير الصغير خط جغرافي وزمني متعرج وموصول، يحكي حكايات المحبين ويروي تفاصيل انسانيتهم سعيدة كانت أم تعيسة، هي موروث إنساني نابض لن يتغير مهما تغير شكل التقليدي القديم وطورته التكنولوجيا الحديثة.
    شكرا أستاذ منير مقال رائع

  14. مقال رائع وجميل بالتوفيق دائما بإذن الله

  15. أجزم أن قصص الحب الاكترونية وإن طالت فلن تتعدى بضع أشهر فالحب به سريع الاستهلاك
    وسيكون مجرد سحابة صيف عابرة
    اجمل حب واصدقه تلك التي تأتي عن طريق ساعي البريد ظلت خالدة
    ما أجمل أسلوبك

  16. محمد الحديني

    تضفيرة رائعة ومحكمة لأدب الرسائل والذي لا يقل بهاء وروعة عن غيره من الأجناس الأدبية.
    شكرا جزيلا صديقي العزيز 🌻

  17. د.غالية الزامل

    داام عطاؤكم والإبداع الراقي مبدعنا الكبير 🙏

  18. مصطفى حامد جاد الكريم

    حل الواتساب محل الرسائل الورقية
    مقالة رقيقة مفعمة بالنوستالجيا
    ولعل كل الأدب لا يخلو من النوستالجيا

  19. الشربيني المهندس

    مقال مبدع ولون جديد يا ايها الناس انتبهوا رسالة بالبوسطة وببساطة تقول الكثير عن الزمن الجميل وكنا نجمع الطوابع وهواية مشتركة لذلك الزمان الذي أكرمنا الحظ وعشناه وشكرا للذكرى الجميلة وكل عام وانتم بخير وسعاده والصلاه والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وحفظكم الله

  20. د. محمد الحداد

    الرائع الأستاذ منير عتيبة، دائما ما تنتقي قضايا أدبية تستحق الوقوف أمامها ودائما ما تعالجها بذكاء الناقد والمثقف واسع الاطلاع متفتح الآفاق الفكرية والاجتماعية. أعد هذا المقال مفتتحا رائعا لبحث واسع عن أدب المراسلات العاطفية وتطورها وما تعانيه في ظل تطور الواقع التكنولوجي. دمت راقيا متألقا

  21. لم اعش زمن ساعي البريد كما ينبغي لكنني أعشق الورق والأقلام وتدفق المشاعر وسرد التفاصيل في خطاب يحمل روح الراسل الحية ولا أشعر بالرسائل المعلبة الرقمية بل أجدها باردة كتبت على عجل دون إحساس حقيقي واشتياق حقيقي للتواصل
    كل الشكر أستاذ منير طرح رائع

  22. مقال ماتع يمتاز برشاقة الاسلوب وروح الفكاهة وغزارة الثقافة

  23. موضوع ثري وممتع بنفس الوقت. شكرا لك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *