أحدث الحكايا
ماركيز

ماركيز الساحر.. ما أروع أن تقرأه بالمقلوب!

لذلك الكذوبِ المبدع خيالٌ ساحر، كان “يفشُر” علينا وهو يروي حكاياته ف نصدّقه بامتنان؛ فما أروعه من كذوب! وليس هنالك أجمل من غابرييل غارسيا ماركيز ومن عوالم الأدب لننسى واقعاً مزرياً وسخيفاً وأخباراً لا تسرّ. اخترت لكم هذه النصوص من بين قصص كتبها، ولأني أثق في ذائقتي بعدما استمتعت بها للمرّة الكم—لا أدري!—قلت أشرك معي البعض ممن لديهم ذائقة ولم يقرأوها، أو قرأوها وطواها النسيان.

يلعب ماركيز بالكلمات كما السحرة الذين يخدعون الأبصار بالبيضة والحجر أو الثلاث ورقات في ساحات السيرك والأرصفة؛ يوهمونك بمكسب يتبدد بين يديك فور مغادرتك، لكنك معه تقع في الخديعة ولا تفارقك الابتسامة. تبدو قصصه الأولى متأثرة بالجو الذي خلقه كافكا في السرد الحديث، قبل أن يختط لنفسه عالمه الإبداعي الفريد فيما عُرف لاحقاً بالواقعية السحرية. وفي منجزه الأحدث، يظهر تزاوج بديع بين البدايات بأسئلتها السريالية المفتوحة وبين مرحلة الذروة بواقعيتها السحرية، واقتراحي الأمتع لكم هو قراءة مجموعاته القصصية من نهايتها إلى بدايتها.

من بين تفاصيله المدهشة، تلك القصة الحزينة والمضحكة لشخص مكتئب انتحر بالقفز من الطابق العاشر، وفي طريق سقوطه، رأى عبر النوافذ تبادلات حميمية لجيرانه، مآسٍ عائلية، عشاقاً في السر، ولحظات سعيدة لم تخرج يوماً خارج عتبات البيوت. وبحلول اللحظة التي ارتطم فيها بالرصيف، كان قد غيّر رأيه تماماً وأدرك أن الحياة التي حاول دخولها من الباب الخاطئ تستحق العيش، ولكن بعد فوات الأوان!

وفي نص آخر بديع من قصة “موت خوسيه مونتييل”، يتجلى تهكمه الساحر: «حين مات خوسيه مونتييل، أحس الجميع أنهم ثأروا لأنفسهم، باستثناء أرملته. وتطلب الأمر عدة ساعات كي يصدق الجميع موته حقاً، وظل الشك يخامرهم حتى وهم يرون جثته مسجاة في تابوت أصفر مدبب كأنه ثمرة شمام، مرتدياً بدلة بيضاء وجزمة من جلد لامع، وبدا وجهه في حالة جيدة لم يبدُ معها أكثر حياة في أي وقت مما هو عليه في تلك اللحظة، باستثناء أنه كان يمسك بيديه صليباً بدل مقرعة الحصان. وكان لا بد من تثبيت غطاء التابوت بالبراغي، وإدخاله في كوّة المدفن العائلي الفاخر، كي تقتنع القرية بأسرها أنه لم يكن يتظاهر بالموت».

وفي لوحة استعراضية ساخرة، يروي في نص آخر خطبة سيناتور يعد شعباً بائساً بالرفاهية: «بدأ السيناتور قوله: إننا هنا لنهزم الطبيعة، ولن نكون بعد اليوم لقطاء الوطن ولا أيتام الرب في مملكة العطش والقسوة. سنكون عظماء وسعداء. وبينما هو يتحدث كان مساعدوه يلقون في الفضاء حفنة عصافير ورقية تكتسب حياة مصطنعة وتحوم حول المنصة، ويخرجون من الشاحنات أشجاراً مسرحية أوراقها من اللباد ويغرسونها خلف الجمهور في أرض ملح، وينصبون مجسمات كرتونية لبيوت من قرميد أحمر أخفوا وراءها الحياة الواقعية البائسة. ثم وعدهم بآلات المطر، وزيت سعادة يجعل الخضار تنمو والورود تتفتح. وعندما رأى عالمه الوهمي منجزاً، صرخ: هكذا سنكون! التفت الجمهور ورأى عابرة محيطات ورقية ملونة تمر وراء البيوت، كانت أكثر ارتفاعاً من المدينة الاصطناعية، ولاحظ السيناتور وحده أن القرية الكرتونية، لكثرة تركيبها وفكها ونقلها، كانت متآكلة بفعل عوامل الطبيعة، وبائسة ومعفرة مثل واقعهم تماماً».

تلك العوالم الفذة تختصرها أفضل قصصه القصيرة التي أضعها بين أيديكم: “عينا كلب أزرق”، “لا يوجد لصوص في هذه القرية”، “جنازة الأم الكبيرة”، “سيد عجوز بأجنحة هائلة”، “بلاكمان الطيب بائع المعجزات”، “القصة العجيبة والحزينة لإيرينديرا الساذجة وجدتها القاسية”، “رحلة موفقة سيدي الرئيس”، “جئت لأتكلم في الهاتف فقط”، و”موت مؤكد فيما وراء الحب”.. واعلموا أن دور النشر طبعت هذه الروائع تحت أسماء ومجموعات مختلفة، فلا تنخدعوا، وابحثوا عن جوهر ماركيز.

 

عن مصطفى رحمة

فنان تشكيلي ورسام كارتون وكاريكاتير وكتب أطفال، له إسهامات في مجلة صباح الخير، وكان من أوائل الفنانين الذين عملوا فى مجلة ماجد منذ صدورها ولمدة تزيد عن الثلاثين عاماً، وهو رسام كاريكاتير بجريدة الاتحاد الإماراتية. دراسته غير أكاديمية، حيث علم نفسه بنفسه وقاد تجربته منفرداً ومتفرداً. أقام العديد من المعارض الفردية والجماعية في مصر والإمارات العربية المتحدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *