أحدث الحكايا

(على باب الله): ما يفعل الله بعذابكم؟!

كنتُ أجلس في المقهى مع صديق وطلبتُ من العامل منفضة سجائر، فاقترح عليّ أن أرمي في أي مكان لأنه يحب أن يكنس ويتعب في شغله كي يبارك الله له في رزقه.

صدمني منطقه فسألته مستنكرًا: ومن قال لك إن الله لا يبارك في الرزق إلا إذا تعبت وتعذبت؟!

فيها حاجة حلوة.. مقهى يوفر قهوة وشاى مجاناً للمحتاجين ...
صورة تعبيرية

 

في كوامن شعورنا فهم عجيب أن الله يريد أن يطهّرنا بقدر ما نتعذب في الحياة الدنيا، وأن الثراء والنعيم -غالبًا- لا يتحققان إلا لأشخاص فاسدين وغير مؤمنين. ولن نعدم من يروّج أن الغرب (الكافر) يتنعم بالدنيا لأنه لن يكون له نصيب في الآخرة مثلنا.

وإذا كان ثمة فتاوى تمنحنا رخصًا في العبادة لا نرغب في قبول ذلك من باب التشدد في الإيمان والتباهي بالتحمل.

ينتهي بنا هذا التصور إلى نظرة احتقار للدنيا ومتعها، ومن ناحية أخرى يكرس صورة لله كمنتقم جبار شديد العقاب لا يتهاون مع أحد. مع أنه أيضًا كريم رحيم وعفو يحب العفو.

فهل الأديان أساسًا وجدت لتحميل الناس المشقة أم لتحريرهم منها ورفع الأغلال عنهم؟

في رواية هرمان هسه العظيمة “سيد هارتا” التي تستلهم سيرة بوذا، غادر قصر أبيه وتنسك فبالغ في القسوة على نفسه، فلم يكن يأكل سوى وجبة في اليوم، وطالت أظفاره، وحاول أن يقضي على “ذاته” ورغباتها، فتحمل الجوع والعطش وقروح البدن، ثم انتابته شكوك عميقة أنه لن يبلغ الطريق أبدًا بهذه القسوة على جسده وتناقش مع صديقه جوفيندا.

غلاف رواية سيد هارتا

 

أدرك “سيد هارتا” مسألتين عميقتين ومتناقضتين: الأولى: دفع الجسد إلى الألم لا يؤدي إلى الخلاص بالضرورة، لأن الدين -أي دين- يُفترض أن يساعد المرء في الخلاص من الألم وليس العكس.

الثانية: المعرفة قد تحجبنا عن الاستنارة برغم أن دورها الحقيقي أن تنير لنا الطريق. وطالما أنها نسبية فالطبيعي أن طرق الخلاص تختلف. لذلك ترك سيد هارتا صديقه واختار لنفسه طريقًا مختلفًا.

فكل تجاربنا الإنسانية تتلخص في تجاوز الألم وليس تكريسه، ومحاولة إدراك السعادة لا الاستمرار في الشقاء. بهذا المعنى ليست الدنيا دار عقوبة وابتلاء بالضرورة، وإنما هي دار نكافح فيها لتجنب كل هذا.

لم أكن مرتاحًا لمنطق عامل المقهى لكن الحوار ظل عالقًا في ذهني. فكرتُ في الجماعات المتشددة وكيف تبرمج أتباعها على التخويف من الإثم والعقاب. تزرع فيهم الشدة والقسوة. تشحنهم بالغضب ضد الحياة بدلًا من أن تشجعهم على التمتع بزينتها ومباهجها.

فكرتُ في آية “مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمٗا” (النساء/147) يميل المفسرون إلى أن السؤال بلاغي بقصد التقرير أن الله لا يريد أن يعذبكم. ويجوز أن نعتبره سؤالًا استنكاريًا: لماذا تظنون أن الله يرغب في عذابكم؟!

فالأصل ليس العذاب بل الخلاص منه، وربطت الآية ذلك بجملة شرطية بجعل الخلاص من العذاب رهنًا بالشكر والإيمان.

ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما . [ النساء: 147]

 

استعمل المعتزلة تلك الآية دليلًا أن الله لن يعذب من آمن به حتى ولو ارتكب الكبائر. بينما اختلف المفسرون في تقديم “الشكر” على “الإيمان” فالبعض اعتبره على سبيل التقديم والتأخير لأن الإيمان أساس كل شيء ولا قيمة لشكر بلا إيمان. وثمة من طرح تفسيرًا مغايرًا بأن الإنسان حين يرى نعم الله ويشكره عليها فحتمًا سوف يصل قلبه إلى الإيمان.

فالشكر اعتراف بالإحسان والنعم، وبه تتحقق المعرفة بالمُنعم فيحصل الإيمان. ثم تختتم الآية “وكان الله شاكرًا عليمًا”. أي يكافئ شكرك على نعمه بالشكر. فشكر الرب لك يفسر بالرضا عنك وقبول طاعتك مهما كانت قليلة، أو التعبير على الاستعارة فالقصد من مفردة “شاكر” أي أنه مثيب على الشكر. أما مفردة “عليمًا” أي مطلع على النيات وما وصل إليه قلبك من إيمان.

 

 

عن شريف صالح

‎كاتب وصحفي مصري، درس في دار العلوم في جامعة القاهرة. كما نال دبلوم النقد الفني، ودرجتي الماجستير والدكتوراة في النقد الأدبي من أكاديمية الفنون. له العديد من المؤلفات الأدبية، وحصل على عدة جوائز أبرزها جائزة ساويرس في القصة القصيرة عن مجموعة «مثلث العشق»، وجائزة دبي الثقافية عن مجموعة «بيضة على الشاطئ»، وجائزة أفضل مؤلف مسرحي من مهرجان «أيام المسرح للشباب» في الكويت عن مسرحية «مقهى المساء»، وجائزة الشارقة للإبداع العربي عن الإصدار الأول لمسرحية «رقصة الديك».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *