شهر العسل في مصر..بين الواقع والسينما!


“شهر العسل” من منا لم يعش تجربة شهر العسل، حتى لو كان شهر العسل هذا قصيرًا، وانقلب بعد ذلك، كما يقول المثل “شهر بصل”!

 

عندما نتابع على صفحات الشبكة العنكبوتية ما يتعلق بشهر العسل في مصر، ستكون الأغلبية لإعلانات أين تقضي شهر العسل؟ وتطرح صفحة على الشبكة العنكبوتية هذا السؤال: هل مصر تصلح لشهر العسل؟ وترد صفحة أخرى على ذلك بالترويج إلى أماكن خارج مصر لقضاء شهر العسل، وأشهر تلك الأماكن هي تركيا وجزر المالديف.

 

أحد شواطيء مدينة دهب بجنوب سيناء

 

وبعيدًا عن الصراع السياحي على أين تقضي شهر العسل؟ سواء في مصر أو خارجها، نجد شهر العسل يدخل أيضًا المجال السينمائي، بل ويصبح شهر العسل عنوانًا للعديد من الأفلام السينمائية في مصر، لعل من أشهر أوائل هذه الأفلام فيلم “شهر العسل” للمطرب المشهور فريد الأطرش، والممثلة الكبيرة مديحة يسري، وإخراج أحمد بدرخان، وقصة وحوار الرائع بديع خيري، هذا الفيلم إنتاج عام 1945، مع نهايات الحرب العالمية الثانية.

 

فيلم شهر العسل

 

لكن لم يسأل أحد نفسه هل عادة الاحتفال بشهر العسل متجذرة في التقاليد المصرية؟ وهل هناك تراث طويل في الثقافة المصرية بالاحتفاء بعادة شهر العسل؟

 

في حقيقة الأمر لم يعرف المجتمع المصري عادة الاحتفال بشهر العسل إلا حديثًا، وحديثًا جدًا، فهي في الأصل عادة أجنبية دخلت إلى المجتمع المصري في مطلع القرن العشرين، مع احتكاك المجتمع المصري بالعديد من الجاليات الأجنبية التي كانت تعيش في مصر آنذاك، فضلاً عن البعثات العلمية، وسفر المثقفين المصريين إلى الخارج واستحسانهم لبعض العادات الاجتماعية الأجنبية، والعمل على إدخالها إلى المجتمع المصري، والترويج لها من خلال كتاباتهم.

 

وتعتبر مجلة “السفور” المصرية التي صدرت في عام 1915، وفي فترة الحرب العالمية الأولى؛ حيث كانت الرقابة الإنجليزية مفروضة على الأخبار السياسية، فاتجهت مجلة السفور إلى الاهتمام بالجانب الاجتماعي والثقافي لإصلاح المجتمع. من هنا كان عنوان المجلة “السفور” ليس لمجرد سفور وجه المرأة، ولكن سفور وجه المجتمع إلى المستقبل؛ حيث حرصت المجلة على إدخال بعض الأفكار والعادات الاجتماعية الغربية إلى مصر، في إطار جعل مصر قطعة من أوروبا.

 

مجلة السفور

 

وإذا نظرنا إلى مجموعة مؤسسي هذه المجلة سنجد خيرة مفكري مصر آنذاك مثل: طه حسين، ومحمد حسين هيكل ومنصور فهمي وعبد الحميد العبادي وغيرهم.

 

ومن الأفكار الاجتماعية المهمة التي طُرِحَت على صفحات المجلة، فكرة إدخال عادة شهر العسل “Honeymoon” إلى مصر؛ حيث أشارت المجلة إلى شيوع هذه الفكرة في أوروبا، وأوضحت المجلة أن الهدف الأساسي هو البُعد عن الأهل والأسرة، حتى تأتلف حياة الزوجين في بدايتها دون أي مؤثر خارجي من الأهل، وحتى يعود الزوجين بعد ذلك إلى عالمهما، وأسرتيهما بقدرٍ كبير من الأُلفة والحب والتجانس.

 

هكذا بدأت الفكرة في مصر، وسرعان ما انتشرت وخاصةً بين أبناء الطبقة الوسطى، طبقة العادات والتقاليد، ثم انتشرت بعد ذلك بين كافة طبقات المجتمع، وأصبحنا جميعًا نمارس عادة شهر العسل دون أن نسأل أنفسنا مَن أول من أدخل هذه الفكرة إلى مصر؟ وما هو الهدف الأسمى والحقيقي من وراء عادة شهر العسل؟

 

 

عن د. محمد عفيفي

أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر بجامعة القاهرة، حصل على الماجستير عن رسالته التي تناولت الأوقاف في العصر العثماني، ومن بعدها درجة الدكتوراه من جامعة القاهرة عن دراسة حول الأقباط في العصر العثماني، وقد تولى رئاسة قسم التاريخ بآداب القاهرة مرتين. كما عمل باحثًا في المعهد الفرنسي للآثار، وفي المعهد الفرنسي للدراسات الاجتماعية والاقتصادية. ثم شغل منصب الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة في الفترة من 2014 إلى 2015. حاصل على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم الاجتماعية لعام 2004، والتفوق في العلوم الاجتماعية لعام 2009، والتقديرية في العلوم الاجتماعية لعام 2020-2021.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *