ما زلت أذكر تلك الرائحة التي اشتممتها للمرة الأولى حينما ولجت إلى غرفة الموسيقى في مدرسة حدائق شبرا الابتدائية، كانت رائحة “أبلة شكرية” التي ما زلت أذكر اسمها حتى الآن.
لا أذكر كثيراً من التفاصيل، إلا أنه، وبالقطع، فقد أثرت فيّ تلك الحصص، وفي ارتباطي فيما بعد بالموسيقى، حتى أصبحت لوقت طويل مهنتي الأساسية (زهاء 17 عاماً قضيتهم في أوركسترا القاهرة السيمفوني)، وأصبح شغلي الشاغل فيما بعد قضايا المشهد الموسيقي والفني بصفة عامة.

اليوم، وبينما ألمح ما نحن بصدده من إنشاء الجمهورية الجديدة، وما أراه من خطوات فائقة التفاؤل ببناء دار أوبرا مهيبة وفاخرة تليق بمصر التي دائماً ما كانت منارة الفنون في المنطقة بدوائرها الثلاث (إفريقيا والشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط)، آمل أن تتلافى الجمهورية الجديدة أخطاء الجمهورية “القديمة”، حيث تدهورت أحوال المدارس الحكومية، وفتحت الطريق لطابور طويل من تجارة التعليم لحساب أشكال وألوان من المدارس الخاصة والتجريبية واللغات، فالدولية فالبريطانية والألمانية والفرنسية وغيرها. حتى أصبح ما يربط كل تلك المدارس المسئولة عن تربية النشء بوزارة التربية والتعليم المصرية هو مادتا اللغة العربية والتربية الدينية بلا زيادة ولا نقصان.

أما امتحانات الثانوية العامة فأصبحت تقتصر على العامة من أهالينا ممن ما زالوا يرغبون في الالتحاق بالجامعة المصرية، التي تعاني هي الأخرى من مشكلات مماثلة فيما يخص البيزنس وخلافه.
إن أبناءنا في المدارس الأجنبية على أشكالها المختلفة يلتحقون بجامعاتهم الخاصة، ويعيشون حياتهم الخاصة في ضواحيهم وكومباونداتهم الخاصة، والآن أصبح بإمكان الشاب والفتاة أن يعيشا حياتهما بطولها وعرضها دون أن يتعرضا لا سمح الله للنزول إلى وسط مدينة القاهرة أو إلى أحد أحيائها الشعبية.
لقد تزامنت كل المشكلات سابقة الذكر في الجمهورية “القديمة” مع اختفاء الفن والثقافة والرياضة في مدارسنا -التي لم تعد، بطبيعة الحال، مدارس ذات طبيعة واحدة، ولا حتى متقاربة!
ولما كان الدستور هو العقد الاجتماعي بين المواطنين القاطنين على قطعة من الأرض تسمى “الوطن”، وهو الوثيقة التي تفسر علاقة هؤلاء المواطنين ببعضهم البعض، وعلاقتهم بالدولة وبمؤسساتها ومرافقها العامة، فإن الأماكن التي يمكن أن يلتقي فيها جميع أطياف الشعب لم تعد موجودة، وأعني هنا التعليم والصحة والبنية التحتية.
فلا تعليم جامع يصهر مواطني الدولة جميعاً في بوتقة واحدة، ولا تأمين صحي جامع شامل يضع جميع المواطنين تحت مظلته، ولا مواصلات عامة ولا بنى تحتية قادرة على أن تكون ذلك المكان الذي يلتقي فيه أستاذ الجامعة والعامل والفلاح والمهندس والمحامي.
من هذه الزاوية، لم نعد نحن الأمة المصرية أمة واحدة، بل أصبحنا شعوباً وقبائل وطوائف مختلفة ينضوي كل منها تحت مظلة مجتمعه، ويعيش في ظل ثقافته الخاصة، وتحت تصنيفات طبقات أخرى اجتماعية وجغرافية واقتصادية ومؤسساتية، حتى بات بعض أبناء شعبنا لا يعرف شيئا عن مواطنيه من منطقة جغرافية أخرى، بل لم تعد تربط هؤلاء ثقافة مشتركة، وهو أمر جد خطير في ظل ما نحن بصدده وهو إنشاء جمهورية جديدة.
شهرزاد