يشير فعل “ولي” إلى معاني: دنا ولزم، ونصر، وأحب. فالولي هو من يلزم جوار الله وكلمته، وينصره مجاهدًا في سبيله وأول المجاهدة جهاد النفس، والولي يحب الله ولا يشرك في محبته أحدًا. إن الفعل “لزم” يشير إلى الإيمان، و”النصر والتأييد” إلى السلوك البادي، بينما فعل “الحب” يقود إلى كل ما هو قلبي خفي عن الأعين.
يتماهى “الولي” بتلك الصفة الربانية مع اسم من أسماء الله الحسني، فسبحانه وتعالي هو الولي، يتولى عباده بلطفه وتدبيره، بينما يتولاه عباده بالطاعة والتقرب إليه.
فيصبح الولي وليًا عنه بالإنابة؛ متصرفًا باسمه، يهبه الله من قدرته ما يشاء، ويجري على يديه كرامات، ويبصره غيبًا لا يطلع عليه أحدًا من خلقه.
لا يتأله الولي بل يغدو في معية الألوهية، وسَننها، لا في معية البشر وسننهم. وإما أن يكون المعنى صيغة مبالغة على وزن فعيل كالعليم والقدير، أي من توالت طاعته دون أن تتخللها معصية، أو على وزن فعيل بمعنى مفعول مثل جريح والمقصود “مجروح”، أي أن الله يتولى حفظه وحراسته من كل أنواع المعاصي، ويديم توفيقه على طاعته. (جامع الكرامات للنبهاني، ص7). كأن الولاية ثمرة جهد وإرادة صاحبها من جهة، وفضل وكرم الله من جهة أخرى، فلا تعارض بين المعنيين.
فقد تكون الولاية عطية واجتباء “الله يجتبي إليه من يشاء” (الشورى: 13)، وقد تكون نتيجة إيمان وتقوى وصلاح وكفاية ذاتية وتعبدية، تجعل العبد أهلًا للتبليغ، ووراثة النبوة (أبحدية التصوف، ص 36).

وهنا يفرق بعض الباحثين بين ثلاثة طرق للمعرفة إما بالحس (التجريب اعتمادًا على الحواس) أو بالعقل (بدهيات منطقية) أو بالحدس. ولا خلاف بين البشر على الطريقتين الأوليين، وإنما الخلاف على الثالثة التي يعتمد عليها المتصوفة، إذ يصبح اكتساب العلم عرفانيًا لدنيًا، بالمكاشفة والبصيرة.
أي أن الولى يملك حدسًا رحبًا يجعله بحرًا فيما نعلم وما لا نعلم، بما في ذلك فتح أبواب الغيب له -بإذن الله- ومشاهدة كائنات لا تُرى بأعين البشر، كالجن والملائكة. ثم ينتقل من قوة المعرفة إلى امتلاك إرادة التغيير في مجريات الأمور وأقدار الناس، فقد بات ربانيًا يقول للشيء كن فيكون.
وبسبب الحدس وعرفانية العلم، وديمومة الاتصال بالله تعالى، فرق بعضهم بين الولاية والنبوة، باعتبار الأولى تلقيًا مباشرًا عن الله، بينما النبوة ملزمة بالوحي عن طريق ملك. ما قد يُفهم أن الولاية تفوق النبوة مكانة. فليس غريبًا أن ينقل الشعراني عن الشاذلي قوله: “لا إنكار على من قال: كلمني الله كما كلم موسى”. ويقول ابن عجيبة الحسني: “إن الحق سبحانه قسم الخلق قسمين وفرقهم فرقتين: قسم اختصهم بمحبته، وجعلهم من أهل ولايته، ففتح لهم الباب، وكشف لهم الحجاب، فأشهدهم أسرار ذاته، ولم يحجبهم عنه بآثار قدرته”. (التصوف: المنشأ والمصادر، ص175، و177).
فالولي الحق يجمع بين علم الشريعة (الظاهر) وعلم الحقيقة (الباطن)، ومهما أوتي من علم، وقدرة، فإنه يعيش عيشة الكفاف، وذلك أنهم قوم قد تركوا الدنيا، فخرجوا عن الأوطان، وهجروا الأخدان، وساحوا في البلاد، وأجاعوا الأكباد، وأعروا الأجساد، لم يأخذوا من الدنيا إلا ما لا يجوز تركه، من ستر عورة، وسد جوعة (التصوف: المنشأ والمصادر، ص21).
وما بين المغالاة في نسبة الكرامات إليهم، والدنو والتماهي مع الذات الإلهية، وإظهار الذات وإخفائها، وتجاذبها ما بين الشريعة والحقيقة (الظاهر والباطن)، والتمتع بالنعم والزهد فيها، يلخص ذو النون المصري علامات العارف (الولي) قائلًا: “علامة العارف ثلاثة؛ لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، ولا يعتقد باطنًا من العلم ينقض عليه ظاهرًا، ولا يحمله كثرة نعم الله ـ تعالى ـ عليه وكرامته على هتك أستار محارم الله تعالى” .(الولاية في التراث الصوفي، ص71).
بينما تقول ميمونة ـ زوج إبراهيم بن أدهم: “قلوب العارفين لها عيون.. ترى ما لا يراه الناظرون”.
فأنت على طريق الولاية، طالما كنت ترى الله بقلبك كله خوفًا ومحبة، وتوقن، أن الله يراك. أما الوصول فغير مأمون لأحد.
شهرزاد

