يتميز شعر ماريا زاتورينسكا بأنه تقليدي في الشكل والقافية، فالكثير من قصائدها الشعرية كانت عبارة عن رباعيات أي تنقسم كل فقرة إلى أربعة سطور فقط، وهذا أيضًا من الأشكال البنائية القديمة في الشعر وبخاصة الإنجليزي، ومعظم قصائدها عن شخصية رومانسية غامضة اعتزلت العاطفة وفضَّلت العزلة أو عن حبيب مفقود أو ميت، واهتمامها بمثل هذه النوعية من الشخصيات نابع من اختياراتها لموضوعات كتاباتها النثرية.
الفقد إحدى تيمات ماريا في قصائدها الشعرية، والفقد عندها ليس مقتصرا على فقد الحبيب فحسب بل فقد الوطن والبراءة والشباب والفرح أيضا، فكان لديها موهبة التقاط الصور الازدواجية لخبرات الإنسان أي أنها تتقن رسم صور واضحة لخبرات وتجارب الإنسان المختلفة كالموت والولادة والفرح والتعاسة والفقد والاستمتاع بالطبيعة والحياة، كما أن لديها حسًّا غنائيًّا يضفي على قصائدها البساطة ويخفف من وطأة تبنيها الشعر القديم بمفرداته وأبنيته وتعبيراته المختلفة والمعقدة إلى حدٍّ ما.
وبرغم تعلقها الشديد بالشعر القديم فإنها تأثرت أيضا ببعض الشعراء المُعاصرين، وأيضا أثناء قراءتي بعض نصوصها الشعرية وجدت تأثرها بعصر النهضة، وتمثل ذلك بتأثرها بأشهر الشعراء في ذلك العصر مثل الشاعر الإنجليزي هنري فاوجان (Henry Vaughan) (١٦٢١-١٦٩٥)، والشاعرة والكاتبة البريطانية كاثلين رين (Kathleen Raine) (١٩٠٨-٢٠٠٣) والشاعر الإنجليزي ويليامبتلر ييتس (William Butler Yeats) (١٨٦٥-١٩٣٩).
ماريا زاتورينسكا.. الشاعرة التي فتحت باب هجرة الأدباء الروس إلى أمريكا

من أهم أعمال ماريا زاتورسينكا “مشهد الاستماع” (The Listening Landscape) عام ١٩٣٤، و”المرآة الذهبية” (The Golden Mirror) عام ١٩٤٤، و”تاريخ الشعر الأمريكي من ١٩٠٠ إلى ١٩٤٠” (A History of American Poetry, 1900-1940) عام ١٩٤٦، و”قصائد مختارة” عام ١٩٤٥، والكثير من الأعمال الأخرى التي خلدت اسم ماريا زاتورنيسكا بوصفها شاعرة أمريكية ذات شأن في عصرها وكل العصور.

منذ أن هاجرت الشاعرة ماريا إلى الولايات المتحدة الأمريكية وصار لها اسم شهير في العالم الشعري الأمريكي، تبعها كثير من الشعراء والكُتاب الروس بالهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، كأنها فتحت الطريق أمامهم، وكان من أبرزهم الشاعر چوزيف بوروديسكي (Joseph Brodsky) (١٩٤٠-١٩٩٦(. والذي حاز على جائزة نوبل في الآداب عام ١٩٨٧، والشاعر والمترجم فلاديمير نابوكوف (Vladimir Nabokov) (١٨٩٩-١٩٧٧) والكاتب إسحق عظيموف (Isaac Asimov) (١٩٢٠-١٩٩٢). وأغلب الذين هاجروا كانت هجرتهم لأسباب سياسية واجتماعية حيث الاستبداد والديكتاتورية والاغتيالات الشخصية.
تبنَّت ماريا المدرسة الشعرية الكلاسيكية الإنجليزية، ولكن رؤيتها المختلفة والغريبة للحياة بجوانبها المتعددة جعلتها تتفرد بأسلوب خاص بها غير مُكرر لا تجده عند شعراء آخرين، فتركت بصمة روحها وفكرها المختلف ورؤيتها الغريبه الحالمة على كتاباتها الشعرية فتركت إرثًا شعريًّا كبيرًا وعظيمًا وأسَّست مدرسة شعرية متفردة تجمع بين القديم وبين رؤيتها الذاتية المختلفة لكل ما هو قديم وعتيق.
وهذه ترجمة لقصيدتها “للفصول”
للفصولِ
(For the Seasons)
مُتَّقِدَةٌ بين الدِّفءِ والبُرُودَةِ
في طَقسٍ رَبِيعيٍّ حَنُونٍ
تَرَكتُ يَدِي المُتَوَتِّرةَ تَحتَضِنُ ما استَطَاعَت جَمعُهُ من الحُبِّ.
تَهِزُّ الرَّغبَةُ فَرعًا
من كُلِّ شَجَرةٍ مُرتَجِفَةٍ
فالحُبُّ كالانهِيَارِ الجَليِديِّ
يُدَمِّرُنِي.
الآنَ مُشرِقٌ في الهَواءِ
أثَرُ الحُبِّ السَّاطِعِ
فهو أكثرُ ما يُمكِنُنِي تَحَمُّلهُ
أُكَبِّلُ شَعْرِي المُتَطَايرَ.
دَع العُشَّاقَ الآخَرِينَ يَرقُدونَ
تحتَ تِلكَ الشَّجَرةِ العَظِيمَةِ
ذات الفَاكِهةِ الغَنِيَّةِ المُدْهِشَةِ
واصنَعْ ثِيَابَهُم:
أدِرْ نَظَرتَهُم المُشْتَعِلةَ
نحوَ ذلكَ الكِتَابِ
الشَّاسِعِ العَمِيقِ
ذي الأحرُفِ المُرَصَّعةِ بالنُّجُومِ،
الذي تَتَجَاوَزُ معَانيِهِ الرَّائعةُ
الأعَرافَ والتَقَاليدَ
مُجرَّد لحّظةٍ ليس أكثر
شهرزاد