في أمسية بدت كأنها نافذة تطل على وعي مغاير لملامح الكتابة الجديدة، استضافت مكتبة “كتب خان” الكاتبتين مريم عبد العزيز وبسمة ناجي، ضمن ندوة حملت عنوان “جيل جديد من الروائيات”. وشكّل اللقاء مساحة نابضة تشبه “المختبر التحليلي” الذي يقتفي أثر البدايات، والخبرات المتنوعة التي تصوغ الرؤى المعاصرة للأدب والمدينة والهوية.
استهلت مريم عبد العزيز الأمسية بالحديث عن خلفية صداقتها مع بسمة ناجي؛ تلك التي بدأت رقمياً وتجسدت واقعاً في لقائهما الأول بمعهد جوته بعبارة عفوية مشتركة: “أنا عارفاكي!”. ومنذ تلك اللحظة، تطورت الشراكة الإنسانية والإبداعية بينهما عبر جولات التسكع في أزقة القاهرة، وتبادل المسودات الأدبية، ومناقشة مصائر الشخوص والروايات قيد التكوين.
وقد ارتحلت مريم عبد العزيز من عالم الهندسة إلى الأدب، مستعيدةً جذور شغفها الذي بدأ بحضور الندوات الشعرية في طفولتها. ومع تدرجها المعرفي، تنقلت بين كتابة الشعر والقصة المقاومة إبان الانتفاضة الفلسطينية، حتى استقرت عند القصة القصيرة بوصفها الفضاء الأقرب لروحها الإبداعية؛ لما تحمله من “روح الشعر، والتكثيف، والمجاز”، وهو ما توجته بمجموعتها القصصية الأولى “من مقام راحة الأرواح” عام 2016.
الكاتبة والروائية مريم عبد العزيز\
أما بسمة ناجي ـ ابنة مدينة ملوي بالمنيا، والتي ما زالت لهجتها الصعيدية شاهدة على أصالتها الوجدانية ـ فترجع تكوينها الأدبي إلى مكتبة جدها الضخمة وتشجيعه الباكر لها على إعادة حكي ما تقرأ بـ”تحوير” مشوق صنع خيالها السردي. وتكاملت تلك النشأة مع عمل والدتها كأمينة لمكتبة ملوي، حيث قضت طفولتها بين الرفوف لتصيغ من هناك عالمها الحكائي الخاص.
الكاتبة والروائية بسمة ناجي
ولم تخلُ الندوة من إثارة أسئلة شائكة حول موقع المبدع داخل المشهد الأدبي وعلاقته بجدلية “المركز والأطراف”؛ حيث تساءلت مريم عبد العزيز:
“هل الهدف من الحكاية هو فعل الكتابة نفسه، أم أن يصبح الكاتب مجرد جزء من الصورة الرسمية للمشهد؟”
معتبرة أن الحفاظ على مسافة من المركز يُعد ميزة تمنح الكاتب قدرة أكبر على التأمل والرؤية. وتتفق معها بسمة ناجي في أن معاينة المشهد من الخارج تمنح المبدع فرصة لتكوين رأي مغاير وأقل تأثراً بالتيارات السائدة.
وفي تمازج لافت، طرحت بسمة سؤالاً حول أثر دراسة الهندسة على المعمار السردي لمريم، لتجيب الأخيرة بعبارة دالة:
“نحن نترك الهندسة، لكنها لا تتركنا” مؤكدة أنها منهج تفكير عام ينعكس بالضرورة على البناء القصصي.
لم تكن الحكايات المتبادلة في ختام الندوة مجرد استعادة للذكريات، بل ملمحاً دالاً على جيل روائي جديد يكتب بخلفيات وخبرات مغايرة؛ جيل يفضل الانحياز للهامش، ومشاركة الأفكار، لتأتي أعماله منسوجة من تفاصيل الحياة اليومية وتدفقها العفوي.