أحدث الحكايا

من شرفة جوجول.. لا حياة بلا أدب-الجزء الثاني

يرى البعض أن الأدب فن في كل التعريفات السالفة، ولكن بدرجات متفاوتة، فهو في أبسط أشكاله حين يعرض نصا مكتوبا بغرض معلوماتي أو خبري، بينما يصل لأعلى درجاته في نصوص أخرى. وبين هذا وذاك نصوص لقيطة دون أصل ولا تعدو كونها محاكاة بائسة  في مساحة “كأن” كما يقول الناقد الأستاذ محمد الروبي.

 

“الأدب بالنسبة لي هو المتعة كما أنه يساعدني أن أرى نفسي على نحو أفضل، وحين يرى الإنسان نفسه يصير قادرا على رؤية العالم وبالتالي يمتلك وعيا أفضل.”

 

 

 

 

دميتري بيكاف

 

بينما يلقي الكاتب الروسي دميتري بيكاف محاضرة عن الأدب، سأله أحد الحاضرين عن أهمية الأدب ولماذا نقرأه، فما كان منه سوى أن ابتسم وقال للسائل دون أن تغادر وجهه تلك الابتسامة الطفولية المعتادة: الأدب بالنسبة لي هو المتعة كما أنه يساعدني أن أرى نفسي على نحو أفضل، وحين يرى الإنسان نفسه يصير قادرا على رؤية العالم وبالتالي يمتلك وعيا أفضل.

 

 

 

ألكسندر بوب

 

 

وفي مقولة شهيرة للشاعر الإنجليزي ألكسندر بوب، ذكر أن للأدب مهمتين أساسيتين، وهما التعليم والمتعة. ونظرا لأن الأدب يعبر على جسر اللغة، فهي هنا بمثابة الشفرة الجينية للنص الأدبي وحامل صفاته الفنية وسماته السيميولوجية، لذا فإن الشفرة الجينية للنص وأكواده السيميولوجية لن يكن لها أي وجود يذكر بدون اللغة.

وبما أن الأدب هو أرقى درجات التعبير الإنساني، فهو مصدر ثراء الوعي البشري ومانح القدرة على التفكير والتصور وصياغة المفاهيم عن الذات والحياة في آن، ويمنح الإنسان فرصة الاطلاع على تجارب إنسانية ربما لن يعيش أو يرى مثلها، فضلا عن قدرة الأدب على تنمية الخيال عند القارئ وهو ما يفتح أمامه مسارات الإدرك.

 

كلما كان النص الأدبي ثريا في فنياته وشفرته اللغوية، كلما كان كالغذاء الغني بالفيتامينات، يجعل المرء منا في كامل صحته الذهنية، بل ويُمكّنه من تشكيل رؤية أفضل للعالم.

 

وكلما كان النص الأدبي ثريا في فنياته وشفرته اللغوية، كلما كان كالغذاء الغني بالفيتامينات، يجعل المرء منا في كامل صحته الذهنية، بل ويمكنه من تشكيل رؤية أفضل للعالم. وفي حالة قراءة نص أدبي ضعيف، كمن يتناول طعاما ضارا بالصحة، حتى لو كان أشهى بفعل البهارات ومكسبات الطعم. ولكي يكون الوعي في أفضل حالاته والنشاط الذهني في كامل طاقته، فنحن في حاجة ماسة للأدب الرفيع، لأننا بذلك نضمن تغذية سليمة للعقل ومن ثم تربية صالحة للوعي. إذن فالأدب الرفيع يعني الملاءة العقلية، والأدب الضعيف هو عين النقصان، ولا حياة بلا أدب.

 

من شرفة جوجول.. لا حياة بلا أدب

 

 

عن أحمد صلاح الدين

كاتب ومترجم مصري، حاصل على ليسانس الآداب في اللغة الإنجليزية وآدابها من جامعة عين شمس، وعلى درجة الماجيستير في اللسانيات من جامعة ليف تالستوي بروسيا، كما يستعد الآن للدفاع عن أطروحته للدكتوراه في الأدب الروسي المعاصر بمعهد جوركي للأدب بموسكو. قدم صلاح الدين العديد من الترجمات عن اللغة الروسية والإنجليزية، وساهم بمقالاته عبر سنوات في تقديم الأدب الروسي المعاصر للقارئ العربي. من أشهر أعماله "صلاة تشرنوبل" لسفيتلانا إليكسييفيتش، "أورشليم" لجونسالو تفاريس، "يوميات فتاة تحت الاحتلال" لآن فرانك، "الأب سيرجي" لليف تالستوي، و"دون طريق بلا أثر" لدينيس جوتسكو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *