أحدث الحكايا

انتصارات وانهزامات الترجمة..حرية الاختيار

كتبت مي عاشور:

المساحة تتضاءل عندما نفقد حريتنا في الاختيار، ولو كانت تمتد أمامنا مساحات لا حدود لها. ذات يوم شعرت أن حريتي في اختيار ترجمة ما أحب قد اختنقت، وصارت العديد من خطط الترجمة معلقة ومجهولة المصير. لم أجد سبيلًا لنشر ما أريد كعمل كامل من رواية أو ديوان شعري، كأن سُدَّت كل الدروب فجأة، واتسعت الهوة أمامي، فلم أملك سوى الوقوف مكاني لبعض الوقت. ولكن عندما يُغرم المرء بشيء، يذكره، حتى لو بالحديث عنه، أو الكتابة حوله، أو حتى بالإيماء إليه ولو من بعيد وبشكل غير مباشر. والشعور بالحرية يتجاوز القيود، ويزداد قوة كلما كُبِّل. فقررت أن أرسم دربًا خاصًا بي، وأقدم كل كاتب أحب كتاباته. وجال في قرارة نفسي أنني حتمًا سأجد مساحة أصل من خلالها إلى القارئ، سأخرج بالنص من قراءتي لنفسي باللغة الصينية إلى براري يشاركني فيها القراءة آلاف من البشر. حتى لو كنت سأترجم مقولة، أو سطرًا، أو فقرة قصيرة، سأعرّف بالكاتب وأعماله التي أحبها، وأرى فيها شيئًا يستحق الترجمة، بغض النظر عن متطلبات السوق والرائج، وتجريد الأدب من أطيافه الثرية. سأحمل كلماته بإخلاص، واصلةً هاتين المساحتين المتباعدتين بين اللغتين والثقافتين.


أشباح الخطأ

لاحت لي كتلة سوداء، مجردة من الملامح والتكوينات، وظلت تتمادى في الانتشار حتى ثقلت على الصدر والأفكار، وصرفتني عن التركيز فيما أترجم. وعندما قررت مواجهتها، استوضحت ملامحها، فكانت هذه الكتلة هي الخوف من خطأ في الترجمة، كفهم جملة بشكل خاطئ أو سطحي مثلًا.

أدركت لاحقًا أن من أعظم الأصفاد التي تكبل المترجم، وتحول بينه وبين إطلاق العنان للإبداع فيما يترجمه، هو الخوف من الخطأ في الترجمة. ذلك الخوف الذي يزعزع ثقته في قدرته على الترجمة، ويعيقه عن اكتساب مهارات أعلى فيها. ففي النهاية يقيده هذا الشعور، ويجعله أشبه بشخص يسير على رصيف غير مكتمل في منتصف الشارع. فتكون النتيجة أنه يترجم بشكل رتيب، ربما لا ينفر القارئ، ولكنه في الوقت نفسه لا يترك أثرًا في نفسه. سبق وقلت إن قدرًا من القلق عند الترجمة أمر صحي، ولكنه لو تجاوز حدًا معينًا، يصير عائقًا.

كما أن حدس المترجم مهم، وهو لا يظهر فجأة، بل يكون كامنًا لدى المترجم، كنتيجة خبرات تراكمية لوقت قضاه في ممارسة الترجمة، واحتكاكه بالنصوص والأعمال المختلفة، وقراءاته المتنوعة، وانفتاحه على الثقافات المتعددة، وتواصله المستمر مع أهل اللغة التي ينقل عنها.

الخوف مُحبِط، يُفقد المرء ثقته في كل شيء، ويجعله يتذوق الشعور بالعودة إلى نقطة الصفر، وهذا شعور مربك، ولكنه أيضًا يذكره أنه من مكان بعيد قد بدأ محاولاته، من حيث غياب الضوء وحضور الفكرة. بدايةً من فقدانه لليقين، وحتى إصراره على المضي قدمًا. وينبهه دائمًا أن محاولاته كلها وُلدت بخطوة صغيرة أولى، قد يكون هو نفسه لم ينتبه إليها أو استهان بها، طوت بداخلها كل الاحتمالات، بما فيها فناء التجربة بأسرها. ولكن عند نقطة بعينها، يطرأ تغيير ما، وكأن خطواته تلك تشق مسارًا جديدًا، ويحدث كل ذلك في ومضة عين، حينما يغالب خوفه.

انتصارات وانهزامات الترجمة

 

عن شهرزاد

المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *