يستغل المخرج يسري نصرالله التقنية ويطوعها لتصوير أحداث حقيقية في فيلمه، ما يمنح بعض الأحيان حسًا تسجيليًا للفيلم. فعلى سبيل المثال، يصور نصرالله هدم سوق روض الفرج الحقيقي، ويستخدمه في الفيلم كحدث في حياة الأبطال، ناهيك عن تصوير السوق قبل هدمه بالطبع وتصوير مشاهد كثيرة لعلي وسط المدينة سواء في القاهرة على الكباري أو في النيل بينما يسبح هو وأصدقاؤه بعوامات كاوتشوك أو في باريس حيث يحضر مظاهرة تندد بدعوات طرد المهاجرين (ما أشبه اليوم بالبارحة!).
“يلمس “المدينة” بصورته الخالية من التفخيم، قلوب كل الحالمين والمختلفين مع مجتمعاتهم، وهؤلاء الذين يعانون من صعوبة تعريف علاقتهم كأفراد وسط جماعاتهم.”
مثال آخر مميز على تصوير حالة الاغتراب بصريًا تأتي بعد خروج علي من تجربة الأداء مٌحبطًا، إذ يقف وصديقه أسامة (عمرو سعد) في وسط القاهرة أمام واجهة محل تحتوي عددًا هائلًا من التلفزيونات، تعرض كلها مشهد من “باب الحديد” ليوسف شاهين، حيث قناوي يحاول إقناع هنومة بأحلامه وتسخر الأخيرة منه. في ذلك المشهد يصور نصرالله وجهي علي وأسامة وهما منعكسين على واجهة المحل، يعيدان تمثيل مشهد باب الحديد، ما يجعل المشهد الأصلي والجديد يظهران في نفس اللقطة وكأنهما قد دُمجا سويًا. وبرغم الفارق ما بين علي وقناوي واختلاف موطنهما ووضعهما الاجتماعي ومستواهما التعليمي، نشعر بذلك الشبه بين الشخصيتين الحالمتين اللتين تقهرهما المدينة الصاخبة الكبيرة، وينظر إليهما مجتمعهما نظرة إشفاق أو حتى سخرية.

يلمس “المدينة” بصورته الخالية من التفخيم، قلوب كل الحالمين والمختلفين مع مجتمعاتهم، وهؤلاء الذين يعانون من صعوبة تعريف علاقتهم كأفراد وسط جماعاتهم. يتنقل بين مجتمعين مختلفين، الأول ترى الجماعة فيه أنه لا وجود للفرد ورغباته أمام احتياجات الجماعة، والثاني تسحق فيه الفردانية الشديدة كل معنى إنساني للتضامن والمحبة بين أفراد المجتمع، لكن علي بعد رحلته الطويلة، يستطيع في النهاية ضبط تلك الحدود بين كلا التصورين، حتى ببعض الخسائر الفادحة، ليصبح كما في التمثيل، وعلى حسب قوله في الفيلم، متُحكما في كل التفاصيل.
شهرزاد