أنا مع أن يُجرِّبُ الكاتبُ أشكالًا كثيرةً وأجناسًا أخرى في الكتابة، مثلما كان يفعلُ العربيُّ والمسلم القديم، حيثُ كان يمارسُ علوم الطِّب والفلك والكيمياء والهندسة وعلم المعادن والفلسفة والصيدلة والدِّين والشِّعر في الوقت نفسه؛ فيكفي أن أقولَ إنَّ واحدًا فقط هو جابر بن حيان (101 هجري/721 ميلادي – 199 هـجري/815 ميلادي) قد برعَ في كلِّ هذه العلوم باستثناء الشِّعر، (وإنْ كان له كِتابٌ هو “كتاب الشِّعر” لكنَّني لم أطَّلع عليه، ومنه نسخةٌ موجودة في المُتحف البريطاني ضمن المجموعة رقم ٧٧٢٢ رقم٥).. وقد قيل إنَّ لجابر بن حيّان في الكيمياء ما لأرسطُو (384 ق.م – 322 ق.م) في المنطق.
ولم يكُن هناك أحدٌ في ذلك الزَّمان يندهشُ أو يتعجَّب لأنَّ فلانًا ذهبَ إلى الشِّعْر مثلًا بجانب الطِّب أو الفلك؛ لأنَّ الشَّائع في ذلك الوقت هو الجمعُ بين أكثر من فنٍّ وأكثر من علمٍ.
وربَّما قد أكونُ من سُلالة هؤلاء حيثُ أكتبُ في فلسفة الدين، وأدب العِشق، والشِّعر، وأدب التصوُّف، والرواية، وأمارسُ الفنَّ التشكيلي من وقتٍ إلى آخر.
وأنا عمليًّا لم أتجه كليًّا إلى الرواية، أو أغادر مكاني ومكانتي في الشِّعْر، ولكن صار عليَّ أن أكتبَ روايات تتصلُ -بشكلٍ أو بآخر- بهمُومي وسيرتي واهتماماتي وأمور أخرى أنا مشغولٌ بها ومهجُوسٌ، ولأكُن صريحًا وأقول: إن الرواية منحتني قارئًا آخر لم يكُن موجودًا مع الشِّعر، كما أنها أعطتني مساحةً عريضةً لأعرضَ أفكارى وأكشفَ اهتماماتي، وأكسبَ منطقةً أخرى – في بضعة أشهر – جعلت أصحابُها من القُرَّاء يبحثُون عن كُتبي الأخري، ويكفي أن أقولَ إنَّ هناك كُتبًا أخرى لي نفدت بسبب ذيُوع روايتي “حجاب السَّاحر” وانتشارها بين فئاتٍ كثيرةٍ من القرَّاء عربيًّا ومصريًّا لم تكُن معي.


منذ بداياتي وأنا أكتبُ النصَّ النثريَّ، لا لأنتصرَ على نفسي ولا على الشِّعْر، ولكن ربَّما لأستعدَّ لكتابةٍ شعريةٍ أنتظرُها، وأنا من الذين يؤمنُون بأنَّ الشَّاعرَ الجيِّدَ ناثرٌ جيدٌ أيضًا، وكُنتُ بين كل كتابيْن شعرييْن لي أكتُبُ كتابًا نثريًّا، والغريب أنَّ الكتبَ النثريةَ قد حقَّقت شهرةً أوسعَ من الشِّعْر الذي هُو نشاطي الأساسي وعُنوان بيتي في هذه الدُّنيا، والدَّال عليَّ، حتَّى أنَّ كتابًا مثل “الوصايا في عشق النساء – الكتاب الأول” – الذي صدرت طبعتُهُ الأولى سنة 2003 ميلادية -قد بيع منه ما يزيدُ على ثمانين ألف نُسخة، غير النُّسخ المُصوَّرة بطريقة “البي دي إف”، وكذا النُّسخ المُزوَّرة، كما أنَّ “أحوال العاشق” – الذي صدرت طبعته الأولى سنة 1996 ميلادية – قد وزَّع فوق الأربعين ألف نسخة، وهذا التوزيع قد حدث تقريبًا مع كُلِّ كُتبي النثرية، كأنَّ الناسَ لم تعُد تُحِبُّ قراءة الشِّعْر، أو أنَّ الشِّعْر صار يحتاجُ إلى قارىءٍ من نوعٍ خاص.
وأنا من الذين يؤمنون بأنَّهُ لا يوجدُ نصٌّ نقيٌّ مئة في المئة، ولذا فقد استخدمتُ أساليبَ وتقنياتٍ كثيرةً في روايتي “حِجاب السَّاحر” – التي صدرت في سنة 2022 ميلادية – مثل السيرة الذاتية، والشِّعْر، وأدب الرَّسائل، والأدب الجغرافي، وأدب الرحلة، والتحقيق الصَّحفي، لأنَّ الأدبَ ظاهرةٌ إنسانيةٌ مُتطوِّرةٌ، ولا ينبغي أن نتوقَّفَ عند شكلٍ ما مُتكرِّر وثابتٍ؛ لأنَّ الكتابةَ هي التي تفرضُ شكلَها ولغتَها، وهي التي تكسرُ الحُدُودَ ولا تحبُّ القولبة، ومنذ كتاباتي الأولى التي استفدتُ فيها من القرآن والنصُوص الصُّوفيَّة والإرث الديني بشكلٍ عام والتراث العربي، وأنا أنحُو تجاه التعالُقِ أو الترافُدِ أو التناصّ، حتَّى يمكنَ للقارىء أو الناقد أن يسِمَ نصِّي ب “النص الجامع أو النص المفتُوح أو النص الحُر”، وهذا قد تحقَّق بشكلٍ كبيرٍ في روايتي ” حجاب السَّاحر “، فهذا العمل مفتوحٌ على الأجناس والأنواع الأخرى، تحقيقًا – ربَّما – للمقولة الشَّهيرة “الرواية ملحمة العصر الحديث”.
“استخدمتُ أساليبَ وتقنياتٍ كثيرةً في روايتي “حِجاب السَّاحر”، مثل السيرة الذاتية، والشِّعْر، وأدب الرَّسائل، والأدب الجغرافي، وأدب الرحلة، والتحقيق الصَّحفي”
وإذا كُنتُ ابنًا للموسيقى والغناء في كل تجلياتهما، وكذا الفن التشكيلي الذي أعتبرُ نفسي مولودًا في سريرين أحدُهما من الحُرُوف، والآخر من الألوان، فنصِّي يُزَوَّدُ من الأجناسِ والأنواع كُلها، وهو نصٌّ حُرٌّ من التقاليد الموضُوعة سلفًا، وينحدرُ من ثقافاتٍ مختلفةٍ في تنوُّعها الثقافي والحضاري.
شهرزاد