تتعدد أصناف “المطاريد” في فضاء الرواية وتتفاوت دلالاتهم؛ أولهم “الفلاتية” الذين فروا من عسف السلطة وجورها ليلوذوا بالجبل، وثانيهم يتجلى في الطرد المتبادل عبر أزمنة متعاقبة بين العائلتين المتصارعتين “الصوابر” و”الجوابر”، حتى غدت “العودة” غاية مقدسة وحلماً بعيداً تتوارثه أجيال الصوابر، أما الصنف الثالث فهو طرد الفيضان ذاته لبعض أهل القرى حين كان يأتي عالياً وكاسحاً.
هذا التكثيف حكاه عمار علي حسن بإيجاز بليغ عبر العناوين المفتاحية التي تفتتح فصول روايته، لتشكل نوافذ يطل منها القارئ على تفاصيل القرية وتحولاتها، مستعيناً بمقطوعات شجية من “فنّ الواو” الصعيدي، بوصفه الذاكرة الفنية والوجدانية الأقرب لبيئة الأحداث:
“الأرض وش مقسوم .. بين الغنم والديابة
والفتنة لمّا تقوم .. تكسر قلوب الغلابة”
وتبدو “الأرض” في الملحمة كبطل خفي وحلم حاضر بقوة؛ فهي ليست مجرد رقعة زراعية تتنازعها الأجيال، بل رمز أصيل للهوية والذاكرة والمكانة الاجتماعية. وعن هذا التلاحم الوجداني يقول عمار:
“في الذاكرة تحضر الهوية وتتجاور أهدابها فتتماسك، ولو تصورنا محوها لصار المجتمع معلقًا في الفراغ، تائهًا بلا جذور؛ إنها ذاكرة الفرد، والبنية الصغيرة متمثلة في العائلة، والبنية الكلية متمثلة في المجتمع بأسره”.
في هذا العالم، يبرز الفلاح كبطل صامت وأصل يمنح الأرض قيمتها الحقيقية حين يحيل مواتها حياةً نابضة، ليكون صاحب الأثر الأعمق الذي يتجاوز عسف الطبيعة أو تقلبات السياسة والاقتصاد. وهنا يتداخل ريف الصعيد بخصوصيته ليكون مسرحاً لهذه التحولات المصيرية، ورديفاً يمر بمحطات تتقاطع مباشرة مع مصائر الأبطال.
ومع هذا الاشتباك التاريخي، حرص عمار على الحفاظ على المسافة الفاصلة بين المؤرخ والروائي؛ فبينما يعتني الأول برصد الوقائع وتحليلها، يبتكر الثاني الشخوص ويتخيل مصائرها ويمنحها صوتاً للحياة عبر صراعها مع اللحظة التاريخية.
إن “ملحمة المطاريد” ليست مجرد سرد عابر لخمسة قرون، بل هي كتابة لتاريخ من لا تاريخ لهم في دفاتِر المؤرخين الرسمية، أو من حظروا فيها على استحياء؛ إنها انتصار حقيقي للمهمشين والناس الذين يحملون عبء الأرض والذاكرة والحلم، والذين يلخص الكاتب فلسفة وجودهم بقوله:
“إن الناس هم الأساس؛ فهذا تعبير عما أؤمن به من حقيقة تاريخية واجتماعية، وما أدركه من أن الشعب هو صاحب الأرض والمال والسيادة والشرعية”.
لقراءة الجزء الأول من هذه المقابلة والقراءة النقدية مع الكاتب والروائي عمار علي حسن حول “ملحمة المطاريد”.. (اضغط هنا).