أحدث الحكايا

من البصرة إلى الذكاء الاصطناعي.. الفراهيدي الخبير الأول بـ «بيانات» الشعر

قبل أكثر من اثني عشر قرناً، جلس رجلٌ في أروقة البصرة ينصتُ إلى ألوف الأبيات الشعرية؛ لا ليستمتع بجرسها العذب فحسب، بل لينفذ إلى سرها العميق، ويكشف عن هيكلها ونظامها الباطني. لم يكن يملك حاسوباً ولا خوارزميات معقدة، لكنه أتى بما تعجز عنه منصات المعالجة الرقمية اليوم؛ إذ جمع مدونة بيانات هائلة، ورصد أنماطها المتكررة، ثم صاغها في قوانين صارمة تحكم إيقاع الشعر العربي. ذلك هو الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي استنبط بحور العروض الخمسة عشر، قبل أن يضيف تلميذه الأخفش الأوسط بحر «المتدارك» لتكتمل ستة عشر بحراً.

وتتويجاً لمكانته الاستثنائية في تأسيس التفكير اللغوي والمنهجي، يحتفي به «معرض أبوظبي الدولي للكتاب» في دورته الخامسة والثلاثين لعام 2026، متخذاً منه «الشخصية المحورية» التي ألهمت الحضارة العربية والإسلامية، وأرست قواعد صناعة المعرفة.
ومما يدعو إلى التأمل أن المنهج الذي اختطه الفراهيدي -سواء في استقراء أوزان الشعر أو في هيكلة «كتاب العين»، أول معجم في العربية، مرتباً حروفه وفق مخارجها الصوتية لا حروفها الهجائية التقليدية- يتقاطع عميقاً مع جوهر نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل «شات جي بي تي»، و«كلاود»، و«جيميني». فهذه النماذج لا تُغرس فيها القواعد جاهزة، بل تشتقها وتتعلمها عبر معالجة كميات مهولة من النصوص؛ تماماً كما لم يبتكر الفراهيدي البحور من الفراغ، بل استخرجها بالملاحظة الدقيقة والاستقراء الشامل لمدونة الشعر العربي.

بل إن ترتيب الفراهيدي للحروف بدءاً من أقصى الحلق وتدرجاً نحو الشفتين -بناءً على التقارب الصوتي- يُحاكي من طرفٍ خفي مفهوم «التضمينات المتجهية» (Vector Embeddings) في تقنيات الذكاء الاصطناعي؛ حيث تُضم الكلمات المتشابهة دلالياً وصوتياً في فضاء رياضي واحد. فكلا المنهجين يرفض الترتيب الشكلي السطحي لصالح نظام يعكس العلاقات البنيوية الحقيقية.

غير أن الفارق يظل جوهرياً؛ فالفراهيدي كان واعياً بكل خطوة، يدرك سرّ الجمال وبلاغة الموزون، ودون معرفته في مصطلحات صريحة قابلة للتعليم والتدريس. أما النماذج الحاسوبية فترصد التكرارات الإحصائية دون أن تعي مفهوم «الجمال»، لتظل معرفتها حبيسة «الصندوق الأسود» الذي يعجز حتى صانعوه عن تفسير بعض آلياته.
ولعل أدق وصف لِلْفراهيدي أنه كان عقلاً بشرياً فذاً عمل بمنطق الخوارزمية قبل أن تُخترع بقرون؛ مُثبتاً أن الإبداع الإنساني، حين يرتكز على الملاحظة العلمية الدقيقة، يستطيع استشراف أدوات المستقبل والتحليق بعيداً عن عصره.

 

 

عن هاني سمير

الكاتب هاني سمير كاتب وصحفي مصري، يركز مشروعه على تبسيط الأدب وتقريب التراث العربي للقارئ المعاصر. شق طريقه من خلال تجارب صحفية مهمة في جريدة "الشروق" ومنصة "أراجيك"، إلى جانب إسهاماته في منصات عربية وأجنبية متعددة مثل "إضاءات" و"رصيف 22". في رصيده الإبداعي مجموعة قصصية بعنوان "حياة قصيرة"، ويعمل حالياً على تعميق دراسته برواق العلوم الشرعية والعربية في الأزهر الشريف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *