أحدث الحكايا

منير عتيبة يحكي: “الزمن المفقود” ليس في الصين فقط

يعلم صديقي د. أحمد السعيد أنني من أشد الناس فرحًا وحماسًا لترجمته لرواية “الزمن المفقود” للكاتب الصيني وانغ شياوبو، فقد قرأت وكتبت عن رائعته “العصر الذهبي” التي ترجمها السعيد أيضًا، الذي لا يخفي حبه للكاتب، وشغفه بكتاباته، ويصفه بأنه “صعلوك فيلسوف يؤرخ للحب والثورة”.

في “الزمن المفقود” لا يتخلى وانغ شياوبو عن بطله الأثير “وانغ آر”، ذلك البطل الأرعن الأبله الذي لا يحسن التصرف، وتلك هي الترجمة الحرفية لــ “آر” في لهجة أهل بكين، وهو الشخصية التي تمثل الكاتب نفسه، إذ يقدم نفسه كأحمق ليكشف حمق العالم، وكغبي ليظهر كم الغباء فيما يدعيه العالم من ذكاء.

 

في “الزمن المفقود” يتقدم الكاتب خطوة إلى الأمام على طريق المحاكاة الساخرة. فهو يحاكي عملًا كلاسيكيًا رصينًا، على مستوى الاسم على الأقل، ليقدم تفاهات الحياة الراهنة؛ الراهنة وقت كتابة العمل، ووقت ترجمته، وووقت قراءتك له الآن أو بعد عشرات السنين، وهو نفسه يكشف هذه المحاكاة في متن العمل، ساخرًا من كل شيء “في هذا الزمن المفقود، ثمة شيء يعكر صفو اليوم ليله ونهاره”. وقبل الحديث عنه لا بد أن أشرح أولاً المقصود بالزمن المفقود.

كتب مارسيل بروست عملاً كبيرًا يتحدث فيه عن ذكريات كل ما حدث له. أشياء تبدو كرجل يرقد في قاع نهر حتى تلامس أسنانه الماء، يرى الماء المتدفق، وفوران الأمواج، والأوراق والأخشاب والزجاجات الفارغة تطفو فوق الماء، يرى كل شيء يعبر جسده ويُكمل طريقه.

الروائي الفرنسي مارسيل بروست

 

كيف تُرجم اسم هذا العمل؟ بذل المترجمون الكثير من الجهد والمشقة ليترجموه، وجاءت آخر ترجمة باسم “البحث عن الزمن المفقود”. يبدو أن بروست عندما كتب هذا العمل كان ميتًا منذ فترة طويلة، ولكنه انتحل جسدًا آخر ليكتبه. وطبقًا لما قرأته في عمل مارسيل بروست فإن ترجمة البحث عن الزمن المفقود ترجمة صحيحة، وهي اسم جيد كذلك. والآن ليس لهذا الاسم صاحب، لذلك سوف أستخدمه، وعندما يأتي بروست ويطلبه سوف أعيده له، فأنا أحترم السلف الميت.

غلاف رواية “البحث عن الزمن المفقود” لمارسيل بروست

الزمن المفقود من الرصانة إلى تفاهات الحياة اليومية

الزمن المفقود هو كل ما يملكه الشخص. فقط بوجود الزمن المفقود يصبح للشخص أصل ومآب. كل ما عداه مجرد شظايا من الفرح والتعاسة، شظايا تتقافز للحظات أمام العين ثم تجري لتستقر للأبد في الزمن المفقود. كل من أعرفهم لا يُلقون بالاً لزمنهم المفقود، بل حتى إنهم لا يعرفون أنهم يملكون زمنًا مفقودًا، ولذلك فجميعهم يعيشون كمن بقي جسده وفقد روحه. فالكاتب لا يريد أن يتعبك في محاولة معرفة ما يريد أن يقوله، بل يهدف إلى إحداث صدمة باطلاعك على كل تفاصيل كواليس كتابته نفسها، لتفكر فيما هو أبعد من الكتابة، في الواقع الذي أنتج هذه الكتابة، ذلك الواقع الذي يجعل التأملات والرصانة في رائعة مارسيل بروست؛ “البحث عن الزمن المفقود”، تتحول إلى الاهتمام بتفاهات الحياة اليومية في رائعة وانغ شيابو “الزمن المفقود”، فيبذل جهدًا ووقتًا وصفحات كثيرة في وصف أمور تافهة، كرجل ضربه أحدهم في عضوه فتورم، فأثر على حياته كلها، وآخر لم يجرؤ على استخدام ذكورته طوال حياته إلا في لحظة موته، وبدون أن يقصد، وثالث نسى رجولته تمامًا، ورابع هو الراوي نفسه يجبر على أن تكون رجولته في واقٍ بحجم أصغر. ولا يتوقف الراوي عن حكي التفاصيل التافهة، والمواقف الصغيرة العابرة، عن نفسه والثلاثة الآخرين، لكنك لا تتوقف عن القراءة، وهي قراءة ممتعة بلا شك، فما الممتع في كل ذلك؟

مأساة أن تصبح حريتك الوحيدة في الحياة هي قدرتك على أن تفقد هذه الحياة دون خوف!

الروائي الصيني وانغ شياوبو

 

لا أجيد اللغة الصينية (عبارة مراوغة من تأثير وانغ آر، وكأنني أعرف اللغة الصينية ولكن بغير إجادة!) لذلك لا أحكم على ترجمة د. أحمد السعيد، لكنني مستمتع باللغة التي أقرؤها، وأشعر أنها تحمل روح الكاتب عبر الكلمات، وهذه الروح تتمثل في السخرية السوداء، السخرية الحادة كسكين غير رحيم يشرّح المجتمع ونظمه وسياساته واستجابات الناس لهم، وعندما تنتبه في نهاية العمل إلى ما قدمه لك الكاتب، وتعيد التفكير فيه، تجد أنه لم يختر الصفات التافهة والمواقف العابرة اعتباطًا، وأنه يدمغ بها الحياة، لكن هذا هو المستوى الأول للتلقي، أو الثاني بعد الاستمتاع اللحظي بالقراءة، لأنك ستغوص معه في أنسجة المجتمع الذي أنتج كل تلك التفاهات الفكرية والنفسية، لترى الخلل في أنظمته، والعوج في سياساته، وتفاهة قراراته، التي تدمر البشر وتجعلهم مسخًا، ينضغطون في حياة أقل مما يملكون من قدرات، أو تخصي قدراتهم وثقتهم بأنفسهم، لدرجة أنها تحاسبهم على أفعال أجسادهم بعد أن يتخلصوا من تلك الحياة بمغادرتها إراديًا بالانتحار، وهو القرار الوحيد الذي يستطيعون اتخاذه بأنفسهم، وتنفيذه، دون خوف من عقاب المجتمع أو السلطة، مأساة أن تصبح حريتك الوحيدة في الحياة هي قدرتك على أن تفقد هذه الحياة دون خوف!

د. أحمد السعيد مترجم رواية “الزمن المفقود” عن الصينية

الزمن المفقود.. سخرية الحياة وفوضويتها

لعبة كشف الزيف في “الزمن المفقود” بسيطة قدر ما هي عميقة، وواضحة قدر ما هي مؤلمة، يضع الكاتب أفكار ومشاعر وتصرفات شخوصه أمام ما يُقال ويُعلن بشكل رسمي، في أكثر فترات الحياة الصينية ضغطًا على الإنسان، زمن الثورة الثقافية، هذا التضاد بين ما يقال من شعارات وما يعيشه البشر بالفعل، هو الذي يكشف عمق المأساة، خصوصًا عندما يقدمه الكاتب في جمل روائية صيغت بعناية هزلية، لتبدو محاكاة لأفكار كلاسيكية وهي في الحقيقة بصقٌ على الواقع اليومي وما وراءه، وفي إطار روائي فضفاض كما هي الحياة، ينتقل من قصة لقصة، ومن حالة لحالة، ويعود بك لنقطة ليست في الحسبان، لكنه مثل الحياة أيضًا يغلق بعض الحكايات، ويترك الحكاية الأصلية/الحياة نفسها، مفتوحة على كل الاحتمالات، وكما في “العصر الذهبي” لن تجد في “الزمن المفقود” سوى الفوضى، فوضى الواقع التي يحاول الكاتب أن يضعها أمامك على الورق، ساخرًا منها ومنك إذا لم تنتبه إلى ما خلفها من نظام صارم، ليس ذلك النظام الروائي، بل نظام الحياة الذي يمتلك مئات الأذرع الأخطبوطية التي تخنق كل ما في البشر لتحولهم إلى أداتين لا ثالث لهما، أداة إنتاج، وأداة استهلاك.

لقد أفقد النظام الرجالَ رجولتهم، بطرق عديدة، وكانت لكل منهم استجابته، لكن كل الطرق وكل الاستجابات تؤدي إلى قتل الإنسانية.

فهل هذا ما يريدنا وانغ شياوبو أن نصل إليه؟

الروائي الصيني وانغ شياوبو المعروف بـ “كافكا الصيني”

 

“كافكا الصيني” الذي ولد في بكين عام 1952، وكتب الرواية القصيرة والمقال والشعر وتوفي في أبريل عام 1997 حيث توقف قلبه فجأة دون مقدمات كما كان يتمنى؛ يريد منا ما هو أبعد من فهم الحالة الروائية التي قدمها، وهو النظر في الحالة الواقعية التي نعيشها، ليبحث كل منا عن ما لديه من إنسانية، هل فقدها كلها، أو بعضها، وهل نحن قادرون على استعادة ما فقدناه أم تحولنا تمامًا إلى عبيد لأنظمة قاهرة أقوى منا؟ وهل نستطيع المقاومة، بل هل تجدي المقاومة من الأساس؟

ربما لا يجيب وانغ شيابو على هذه الأسئلة، هو فقط يضعها في عقلك، ويترك لك الإجابة، لأن إجاباتك هي ما ستحدد استجابتك لضغوط العالم، ومدى تمسكك بإنسانيتك، ودفاعك عنها، سواء كنت في الصين، أو القطب الشمالي، في القرن العشرين الذي كتبت فيه الرواية، أو في القرن الحادي والعشرين التي تقرأ فيه ترجمتها.

بشكل شخصي؛ ربما لو كتبت عن هذه الرواية قبل عدة أشهر لكانت استجابتي، “عش في موتك أو مت، فلا معنى للمقاومة في هذا العالم المتوحش القاهر”. لكنني بعد السابع من أكتوبر؛ بعد فعل المقاومة الأكثر جرأة ونجاحًا في هذا القرن، في غزة الصامدة، تمتلئ روحي باستجابة أخرى، تجعل فعل المقاومة في صدارة التفكير، مقاومة العنف والوحشية والبروباجندا التي تحاول قتل أرواحنا قبل أجسادنا، مقاومة الشعور بالضعف والضآلة والغرق في تفاهات التفاصيل اليومية الكئيبة، مقاومة فقدان إنسانيتنا التي يحرص على تدميرها كل من يستفيدون من تحويلنا إلى آلات أو بهائم.

عن منير عتيبة

روائي وقاص وكاتب للأطفال والدراما الإذاعية، مؤسس ومدير مختر السرديات بمكتبة الإسكندرية، رئيس تحرير سلسلة كراسات سردية التي يصدرها مختبر السرديات بمكتبة الإسكندرية، مقرر لجنة السرد القصصي والروائي بالمجلس الأعلى للثقافة، عضو لجنة القصة بالمجلس الأعلى للثقافة (2013 - 2019)، وقد حصل على العديد من الجوائز منها جائزة اتحاد الكتاب.

25 تعليق

  1. كاتب كبير لك كل التقدير

  2. مقال رائع وتعريف بالكاتب الصيني وكتاباته الساخرة من مفارقات الواقع الأليم.
    شخصيا أرى الأمل في مقاومة وطني للارهاب واعادة البلد من صحراء الفشل التي كادت تبتلعه باكبر قدر من المكاسب واقل قدر من الخسائر. وهذه ميزة تلك الكتابات العميقة في شكلها الساخر، تأول لرؤى لا نهائية
    سلمت يداك أستاذ منير

  3. مقال رائع..

  4. مقال أدبي رائع.. له وعي ورؤية وبه معلومات كثيرة عن الأديب الصيني وروايته..
    بالتوفيق والنجاح الدائم لحضرتك وللمترجم…

  5. مقال رائع لكاتب متميز بلغة رصينة وموضوع مثبر للقراءة دامت مقالاتك الرصينة استاذ منير

  6. د.إيهاب بديوي

    مقال مهم يعرفنا على كاتب صيني له اسمه وابداعه المعروف على الساحة الادبية العالمية. ويقدم لنا عرضا متميزا يقربنا من فكر الكاتب ويقدم لنا رؤية عميقة ساخرة للمجتمع الداخلي التي تسقط بالضرورة على كل مجتمع له نفس الظروف. كل الشكر للمبدع الكبير الأستاذ منير عتيبة

  7. د/ محمد الحداد

    تحليل نقدي رائع في فنيته وفي توظيفه للخبرة بفن الرواية وخبراته بالأعمال العالمية المتناصةمعها. جذبتنا أستاذ منير إلى البحث عن ترجمة الرواية.

  8. تحليل نقدي رائع في فنيته وفي توظيفه للخبرة بفن الرواية وخبراته بالأعمال العالمية المتناصةمعها.
    جذبتنا أستاذ منير إلى البحث عن ترجمة الرواية.

  9. جميل أن نري كاتبا يكشف عورات مجتمعه وكيف أنها تقضي علي طموح أفراد المجتمع، لمركز فقط علي الهفوات الصغيرة ليحاسبهم عليها.. وأعتقد أن الزمن المفقود جميعنا نعاني منه.. شكرا علي هذا المقال الرائع كعادتك أستاذ منير

  10. سفين سعد أيوب

    مقال رائع ومهم توضيح التناص في العمل

  11. فاطمة فهمي أحمد

    مقال هام ورائع من كاتبنا الكبير أستاذ منير يضع أمامنا تعريفا بالكاتب وأسلوبه ويلقي الضوء على رواية جديرة بالقراءة والفهم ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *