أحدث الحكايا

إيهاب دكروري يحكي: «من الخوف إلى الحرية».. رحلة استثنائية لسيدة مصرية

غلاف كتاب يحمل صورتين منفردتين لصاحبته، شاهدت الغلاف على تويتر فاستوقفني. أعدت النظر إلى الاسم والعنوان وتأملت الصورتين، من الخوف للحرية.. رحلة امرأة مصرية من صعيد مصر إلى ما وراء المحيط.. سيرة ذاتية روتها عفاف محفوظ، وكتبها خالد منصور، أظن أنني أعرف هذه الملامح.

هل هي نفسها؟! الدكتورة عفاف محفوظ شقيقة زوج خالتي د. نبيلة دكروري، والتي جل ما أعرفه عنها ما رواه أولاد خالتي عن عمتهم التي تعيش في أمريكا “من زمان” وهي صارمة الطباع ولا تأتي لمصر إلا نادرًا.

 

غلاف كتاب من الخوف إلى الحرية

 

أسرعت إلى تطبيق أبجد لأتأكد من صدق ظني، فوجدت الكتاب متاحًا، والتطبيق يتيح لك الاطلاع على نبذة من الكتاب إن لم تكن مشتركًا -وأنا لست مشتركًا لأنني من الجيل الذي مازال يستمتع بالقراءة الورقية إلا لو لم تكن متاحة-. عمومًا النبذة كانت كافية بالنسبة لي كي أتأكد أن الدكتورة عفاف صاحبة السيرة هي عينها السيدة عفاف محفوظ التي نعتها ابنة خالتي السيدة أسمه محفوظ بكلمات قليلة منذ شهرين عبر تطبيق فيسبوك قائلة: “عمتي د. عفاف محفوظ في ذمة الله.. أسألكم الفاتحة والدعاء”.

 

 بالإضافة إلى وصفها للحياة في تلك المدينة في ذلك الوقت حيث كان “الخواجات” واليونانيون على الأخص جزءا من النشاط الاجتماعي والاقتصادي والإنساني لمدينة المنيا، وهو ما يتماس مع ذاكرتي من حكايات المجايلين لها من عائلتي.

 

المنيا التي كانت

حدث هذا وأنا أستعد لمغادرة القاهرة إلى المنيا لقضاء إجازة عيد الأضحى المبارك. لا أكذبكم القول لعلها من المرات القليلة التي كنت متشوقًا فيها للعودة للقاهرة سريعًا لشراء كتاب وقراءته. من الناحية الشخصية، أثار الكتاب بعنوانه وصاحبته ونبذته التي قرأتها لدي كل الفضول. فالسيدة تضعني شخصيًا أمام الكثير من المعارف والعلاقات الشخصية مباشرة، ثم وهو الأهم أنها تضع أمامي تجربة إنسانية شديدة الثراء واللمعان فرحلتها فريدة منذ كانت فتاة صغيرة، ولدت لأسرة كبيرة نشأت في مدينة المنيا بصعيد مصر في أربعينيات القرن الماضي بالإضافة إلى وصفها للحياة في تلك المدينة في ذلك الوقت حيث كان “الخواجات” واليونانيون على الأخص جزءا من النشاط الاجتماعي والاقتصادي والإنساني لمدينة المنيا، وهو ما يتماس مع ذاكرتي من حكايات المجايلين لها من عائلتي فمثلا مدرسة الراهبات التي التحقت بها، هي نفس المدرسة التي درست بها أمي، والتي تصغر الدكتورة عفاف بعشر سنوات أي أن ملامح ما عاشته تلك الأجيال تتشابه كثيرًا، تذكرت كذلك وهي تحكي عن مدينة المنيا الكثير من المحال، والمقاهي، والروائح، والوجوه، والبنايات التي رأيت تحولاتها ومآلاتها في طفولتي المبكرة في السبعينيات من القرن الماضي، ثم انحدارها في العقود التالية.

 

رحلة مدرسية لطالبات مدرسة الراهبات في ستينيات القرن الماضي
فندق سافواي بالمنيا أربعينيات القرن الماضي

 

فمثلا حكت د. عفاف محفوظ في سيرتها:

“كان هذا بيت العائلة ولكن أمي التي ولدت في عام ثورة 1919 لم تحبه كثيرًا بسبب موقعه في جنوب المنيا “قبلي البلد” كما كنا نسمي تلك المنطقة. لابد أنها كانت سعيدة بعد عام أو أكثر قليلا من يوم مشهد الفرقة الموسيقية عندما انتقلنا إلى بيت آخر في ميدان الساعة شمال المدينة أو “بحري البلد”، وفي بيت ميدان الساعة اتسع عالمي من النساء”.

مازلت أتذكر هذا البيت في ميدان الساعة حيث سكنت خالتي، مع زوجها سمير شقيق د. عفاف، ويحضر ذاكرتي الكثير من الذكريات مثل حفلات أعياد الميلاد الطفولية في أواسط السبعينيات، والزيارات العائلية والحكايات المتواترة وغيرها من الذكريات التي مرت بحلوها ومرها لاختفاء أصحابها.

وللمفارقة هذا البيت الذي كان “بحري البلد” على حد تعبير محفوظ، أصبح الآن قبلي البلد، وانتقلت منه خالتي وأولادها في الثمانينيات إلى حي أرض سلطان “بحري البلد”، ويبدو أن هذا قدر الأجيال، الزحف شمالا وراء حلم قد يجئ أو لا يجيء.

 

صورة عائلية تظهر الكاتب طفلا في بيت ميدان الساعة

بداية الرحلة

ومن المنيا إلى الإسكندرية انتقلت محفوظ للالتحاق بكلية الحقوق بعد صراع كبير مع العائلة لتستقر هناك حتى تنتهي من دراستها التي مثلت مرحلة مهمة في انفتاحها على العالم واختلاطها بمختلف التيارات السياسية التي كانت تموج بها جامعة الإسكندرية آنذاك.

ثم زواجها من الدكتور أحمد القشيري، الذي كان في بداية طريقه للحصول على درجة الدكتوراه في القانون، وبحسب ما حكت كان ما شجعها للارتباط به رغبتها في استكمال دراستها العليا للقانون في فرنسا، ولم يكن هذا ممكنًا لرفض الأسرة، لذا جاء القشيري مناسبًا جدًا لها إذ كان يدرس للحصول على درجة الدكتوراه في فرنسا، واستوقفني هنا مشهد شديد الطرافة روته عن ليلة زفافها، يكشف عن جانب مرح في شخصية د. عفاف فتقول:

“يوم العرس ركبت سيارتنا الشيفروليه الصفراء الضخمة مع الأسطى محمد لأذهب للحفل في قصر المنتزه. تعطلت السيارة على الكورنيش، كان مستحيلا أن أنزل بفستان الفرح لأستقل “تاكسي”. انتظرنا حتى لمحتنا سيارة أصدقاء متجهة لحضور العرس فتوقفوا وأخذوني معهم.

أقيم احتفال الزواج في قصر المنتزه بفضل علاقات أسرية للدكتور القشيري مع ضابط شرطة يدعى محمد إبراهيم دكروري، كان أول فرح يعقد في المنتزه بعد الثورة، وقال دكروري ساعتها: “الملك مشي لكن القصر موجود بكل أطقمه”. وفعلا حصل لنا على إذن بإقامة الفرح هناك بفضل علاقاته ووظيفته التي صار بها مسؤولا عن بعض الممتلكات المؤممة”.

 

وهي هنا تشير إلى عمي د. محمد إبراهيم دكروري، البرلماني العتيد فيما بعد ورئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب، وأستاذ الاقتصاد الدولي، إذ ترك الشرطة بعد التحاقه بجامعة الإسكندرية التي نجح فيها بتفوق سمح له بالسفر إلى أمريكا ليبدأ مسيرة طويلة ومشرفة، ولهذا سياق آخر لكن المهم هنا الإشارة إلى صلة قرابته لدكتور أحمد القشيري من ناحية الأم التي تنتمي إلى عائلة القشيري، من عائلات المنيا المعروفة، والتي جعلته قريبًا من الأسرة وشاهدًا على الكثير من المحطات الفارقة فيها.

د.محمد إبراهيم دكروري

تحقق الحلم

بهذا الزواج وبعد سلسلة من التعقيدات تحقق حلم الدكتورة عفاف بالسفر لباريس في ستينيات القرن الماضي في أوج صراع الأيديولوجيات الكبرى وتجاذباتها التي لم تترك شيئًا أو شخصًا إلا وألقت بظلالها عليه، وعفاف في خضم علاقة زوجية معقدة ودراسة لتخصص لم ترغب فيه انجذبت لعالم التحليل النفسي، مع الدكتور مصطفى صفوان، وجاك لاكان.

وانقسمت حياة عفاف في باريس إلى فترتين؛ الأولى للدراسة، يحصل كل منهما على الدكتوراه في القانون، ثم العودة إلى مصر ومعاودة السفر إلى باريس لمرافقة زوجها كملحق ثقافي للسفارة المصرية هناك.

وفي الفترتين، عاشت عفاف حياة عريضة تعرفت فيها على كل الأسماء اللامعة في هذه الفترة واقتربت بشدة من الصراع العربي الإسرائيلي، حيث كانت تعد رسالتها عن النظام المصري آنذاك وآليات فرض اشتراكية الدولة من أعلى، والتي ناقشتها بعد الهزيمة في يونيو 1967 بشهور قليلة، كما سردت تأثير الهزيمة على العرب والمصريين في فرنسا.

 

د.عفاف محفوظ وزوجها الأول د.أحمد القشيري
د.عفاف محفوظ وزوجها الأول د.أحمد القشيري

 

الأهرام

تلى هذه الفترة سفرها إلى بيروت رفقة زوجها للتدريس هناك، فتعرفت على الدكتور زكي نجيب محمود، التي تقول محفوظ إنه تبناها فكريًا، وفي بيروت أيضًا تعرفت على أحمد بهاء الدين، وأمينة السعيد.

بعد ذلك تعود، ونعود معها إلى مصر السبعينات وعملها بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية مع محمد حسنين هيكل ومحمد سيد أحمد، التي تقول محفوظ عنه: “علمني كثيرًا وساعدني بشكل منهجي”، كما تعرفت في تلك الفترة على توفيق الحكيم، ويوسف إدريس، ولويس عوض، واستعادت علاقتها بأحمد بهاء الدين.

 

في نهاية السرد نكتشف أننا أمام جدارية ضخمة شديدة العذوبة والجمال، تفاصيلها من فسيفساء هي مواقف من حياة عفاف الإنسانية التي اتسمت في أغلبها بالصدق والاتساق مع النفس، صدق التساؤل وصدق البحث عن إجابات، والانحياز لكل ما هو إنساني.

 

رفض المعاهدة

لم تلبث عفاف أن تركت المركز بعد فترة قصيرة لظروف روتها، وانتقلت لتدريس مادة العلاقات الدولية والقانون الدولي بجامعة حلوان، بالتزامن مع ذلك انتهت تجربة زواجها الأولى، وفي تلك الفترة من السبعينيات تحكي عن المواقف والمضايقات التي تعرضت لها جراء موقفها الرافض لمعاهدة السلام التي أبرمها السادات وجهرها لرفض ممارسات النظام آنذاك، ضيق عليها الخناق ودفعها للسفر مرة أخرى إلى أمريكا رفقة زوجها الثاني، وهو أمريكي عاش في مصر وأحبها، فأسلم ليتزوجها وعاشا سويًا حتى رحل.

تسرد عفاف مشوارها في أمريكا من منتصف الثمانينات حتى وفاتها منذ شهور قليلة وكيف مرت كل هذه السنوات وفيما مرت، وتحولاتها من العمل في مجال القانون إلى مجال التحليل النفسي وافتتاح عيادة ثم اعتزالها ذلك، وتحولها إلى الاهتمام بالقضايا النسوية والإنسانية في العمل الأهلي ومع الأمم المتحدة وما عرفته وعاشته في هذه الفترة هي شديدة الخصب والثراء سواء في الأشخاص التي عملت معهم أو في نواحي عطائها الإنساني والعلمي التي تنوعت وتمددت وألقت بظلالها على محيطها.

في نهاية السرد نكتشف أننا أمام جدارية ضخمة شديدة العذوبة والجمال، تفاصيلها من فسيفساء هي مواقف من حياة عفاف الإنسانية التي اتسمت في أغلبها بالصدق والاتساق مع النفس، صدق التساؤل وصدق البحث عن إجابات، والانحياز لكل ما هو إنساني. فهو حكي شديد الصراحة والجرأة وكتابة كاشفة لجيل أو عدة أجيال ممن أثروا في واقعنا الثقافي والسياسي والقانوني والاجتماعي سلبًا وإيجابًا، حكي يعري تناقضات المجتمعات الشرقية والغربية على السواء فلكل أزماته الأخلاقية والسياسية.

كان سينقص المكتبة العربية شيء ما لو لم تحك عفاف محفوظ سيرتها المعتبرة للصحفي النابه خالد منصور، فشكرًا له على الكتابة العذبة والاسترسال الذكي. وشكرًا لدار الكتب خان للنشر على إتاحة هذه السيرة الهامة للقارئ كعادتها.

أما السيدة عفاف محفوظ، الإنسانة من قبل ومن بعد لها مني التقدير والاحترام ولروحها  السلام والمحبة والسكينة.

عن إيهاب دكروري

إعلامي وقاص مصري، كبير المذيعين بالتلفزيون المصري، قدم العديد من البرامج الثقافية الناجحة وساهم في تقديم المبدعين والكتاب في المجالات الثقافية المختلفة. صدرت له المجموعة القصصية «حامل الراية»، كما كتب في الدوريات والصحف المصرية المختلفة. عمل في مجال الإنتاج الإعلامي بتأسيسه لشركة «ميديا آرت كونيكشن» المعنية بصناعة الوثائقيات والبرامج الإعلامية، وصنع عددا من الأفلام الوثائقية.

2 تعليقان

  1. كرم سيد نوح.. كاتب حر

    كل التحية لصديقي الإعلامي المحترم ايهاب دكروري على هذه المقالة الثرية عن الزمان والمكان وأبطاله ممن لا نعرف عنهم الكثير رغم ثراء رحلتهم الجديرة بالتأمل والنظر فى تاريخنا الحديث خاصة وان محوره سيدة صعيدية من المنيا.
    والحقيقة أني وجدت نفسي أمام مادة درامية رائعة تستحق من الصديق الاستاذ ايهاب دكروري أن يوليها عنايته باسلوبه الأدبي الرصين ليضمها عمل أدبي نحن فى حاجة ماسة إليه للتعرف على خبايا تاريخنا الحديث المجهول
    تحياتي للاستاذ ايهاب دكروري ولموقع شهرزاد المحترم الذي يعدنا بالكثير مما نجهله

  2. تحياتي للاستاذ ايهاب دكروري .. نحن بحاجة شديدة لالقاء مزيدا من الضوء على شخصيات مصرية ملهمة ولها دور مهم في حياة هذا البلد .. متشوقة لقراءة الكتاب ولمزيد من الكتب او على الاقل المقالات في موضوعات شبيهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *