أحدث الحكايا

د. جيهان زكي تحكي: حكاية «إيزيس وأوزيريس».. فاتحة دروس التاريخ المصري

أسطورة “إيزيس و أوزيريس” تُعتبر الأشهر و الأبلغ في أساطير العالم القديم كما تُعتبر فاتحة دروس التاريخ المصري في مراحل التعليم الابتدائية في مصر وخارج مصر، كونها إحدى ركائز العلوم الإنسانية والدعامة المؤسسة للعقيدة المصرية، خاصة فيما يتعلق بالصراع الأزلي بين الأضداد؛ النور والظلام، والخير والشر.

نشأة الأسطورة

نشأت أسطورة “إيزيس و أوزيريس” من رحم حدوتة شعبية كانت قد انتقلت من قرية لأخرى على ضفاف النيل بشكل شفاهي -كأغلب الأساطير حول العالم-. ومع مرور الوقت، تم إدراجها في المتون الدينية كونها تتعرض لميزان العدل بين الضلال والصواب وتم اعتمادها دينياً بصفة رسمية من قِبل كبار كهنة مدينة منف، عاصمة الدولة المصرية في عهد الدولة القديمة، لتصبح جزءاً أصيلا من الشعائر والاحتفالات والطقوس المصرية.

أسطورة إيزيس وأوزوزيس

تروي هذه الأسطورة قصة “أوزيريس” الذي عاش وسط أسرته الصغيرة مع إخوته (إيزيس، نفتيس وست) على ضفاف النيل وكانوا جميعاً يعملون بالفلاحة، وينعمون بأجواء من السلام والأمان. وأمام حب الناس وتقديرهم لأوزوريس، دبت الغيرة في قلب أخيه سِت واشتدت نيرانها حتى وصلت مبلغاً خطيراً، فما كان إلا أن دبر له مكيدة، عُرفت في سجلات التاريخ باسم “مكيدة التابوت” حيث قام ست بتصميم تابوت، حُبِكت أبعاده وفقاً لجسد أوزيريس، ليقدمه له على سبيل الهدية في إطار مسابقة بين مدعوين على طاولة عشاء بدار العائلة، وكان قد زيّن التابوت بأثمن الأحجار وأفخمها كي يغريه بالدخول فيه، علما بأن التابوت كان يعتبر حينذاك من أقيم الهدايا وأعلاها رمزية.

وبالفعل، وقع أوزيريس في الفخ و استلقى في التابوت كي يتأكد من تناسبه مع حجمه، وعلى الفور قام ست بإغلاق التابوت وإلقائه في النيل.

شخوص أسطورة إيزيس وأوزوريس

إيزيس تبحث عن حبها

مات أوزيريس غرقاً وأظلمت الدنيا وجفّت التربة ويبس الزرع وفُقِد الحبّ من وجه البسيطة. وحين سَمَعَت إيزيس بما جري لزوجها، وهي إلهة الحب والأمومة والخصوبة والطبيعة والسحر وهي أيضا -وفقا لما جاء في متونها المكتوبة على جدران المعابد- “إلهة كل البدايات”، بكت على محبوبها وسَكَبَت من الدموع بحاراً حتى فاض النيل و أغرقت مياهه الضفتين.
وبقوة وعناد وإرادة لا مثيل لها، هَبَت إيزيس من رُكام حزنها وتداركت مأساتها واعتزمت المضي قُدُما للبحث عن تابوت محبوبها كي تضمن له إقامة الشعائر الدينية وطقوس دفن ملائمة ليكون بمقدوره أن يَعْبُر إلى الحياة الأخرى، أي حياة ما بعد الموت ويبعث مع شمس يوم جديد وفقاً لمعتقدات المصري القديم حينئذ.

الإلهة إيزيس

بحثت إيزيس هنا وهناك في كل أنحاء مصر من دون أن تجد أثراً له، وفي سياق دراما الأسطورة، كان التيار قد حمل أوزوريس في تابوته تجاه البحر لتحمله الأمواج بدورها إلى ساحل فينيقيا وتحديداً أمام مدينة بيبلوس/جبيل (لبنان حالياً).
وتحكي الأسطورة أن التابوت قد علق بجذع شجرة أرز، سرعان ما نمت وتفرّعت إلى أن أصبحت شجرة بديعة ذات جمال متميز ورونق خاص، لم ير العالم مثلها من قَبل حتى باتت الشجرة الأشهر والمزار الأهم في أنحاء بلاد الشام، لدرجة أن ملك بيبلوس أمر بقطع أحد فروعها واستخدامها لبناء قصره كنوع من أنواع المباركة، فأصبح هذا الفرع هو العامود الأساسي الذي يَستَنِد إليه القصر الملكي.

واستمرت هذه الشجرة تُبهر وتُذهل زوّار مدينة بيبلوس وتُثير إعجابهم وتَعَجُبهم بجمالها وعبير ثمارها اليانعة غير أنه كان يخفي على الجميع أنها تحتضن بداخلها جسد أوزيريس.

وراحت إيزيس تُجاهد من أجل استرجاع جثمان معشوقها وسَعَت سَعياً كبيراً حتى توفقت في ذلك ونجحت في إعادة بعثه إلى الحياة بعد خط درامي بديع يبقى منه هذا النقش الغائر في معبد فيلة وهي تحتضنه بين ذراعيها اللذين تحولا إلى جناحين حول جسد زوجها.

من نقوش معبد فيلة.. إيزيس تحمي أوزوريس

إيزيس في مواجهة ست

وإذا بـسِت يقهرها ويقوم بخطفه مرة أخرى في ظلام ليلة غاب عنها القمر، ويقوم بتقطيع جسده إربا وتوزيعها على أرض كل إقليم من أقاليم مصر العليا والسفلى وفقا لما جاء في تفسير الأسطورة من قِبَل المؤرخ الإغريقي بلوتارك.

انطلقت إيزيس بلا كلل ولا ملل لتبحث عن رُفات زوجها وتَسَلحت بصبر تَغنّى به البشر، فصنعت قارباً من أوراق البردي. ونظراً للمكانة المقدسة والإجلال الكبير الذي تتمتّع به “أم جميع المخلوقات” بين كل ما يَتَنَفس على ظهر الأرض ومن بينهم حيوانات النيل، فلم يقترب من القارب أي تمساح أو حيوان مفترس، ولم تمّس حيوانات البراري والأحراش كذلك بأي قطعة من جسد أوزيريس المنثور عبر الأقاليم.

الإله ست

وبمعاونة أتباعها ومريديها ومحبيها، استطاعت إيزيس أن تجمع أشلاء جسد معشوقها أوزوريس وأن تعيد إحيائه بتدابير السحر وقوة الكلمة، بل وأرادت الحبكة الدرامية للأسطورة أن تكون الموسيقى والتراتيل مرتبطة بعودته أوزيريس إلى الحياة؛ فإذا به يقوم من الموت ويعود الضوء والدفء والخصوبة إلى وجه الأرض.

ولأن الأسطورة مالت إلى إيجاد وريث لهذا الصراع الأزلي وللدفاع عن مبدأ الخير وديمومة منظومة القيم، فارتأت أن تأكل الأسماك العضو الذكري لأوزوريس، وأن تقوم إيزيس بتصميم عُضو آخر لتَحُط عليه بعد أن تَتَجسد بهيئة طائر، وتكون هذه المعاشرة التي يأتي من خلالها إلى الحياة ابنهما حورس، الأمل في غد أفضل للبشرية والرمز للبدايات الجديدة وانتصار الخير والنور على الظلمة والفوضى.

ميلاد حورس

فها هو إذا حورس الابن الذي أوكل إليه استرداد إرث أبيه ومُلكه وسلطانه من عمّه ست الذي يجسد قوى الشر.

فتتدخل آلهة المعابد من جميع أنحاء البلاد وتقضي بأن يؤول مُلك مصر للابن حورس بينما تؤول للأب أوزيريس الألوهية والقضاء بميزان العدل في صراع الخير والشر من منصة العالم الآخر أي عالم الموتى، بينما يصبح ستّ إلهاً للشر وكل ما يهدد استقرار البشرية.

إيزيس وابنها حورس

ويمكن أن نجد تفاصيل أكثر عن تلك الأسطورة في كتاب “أجبتياكا” للمؤرخ المصري الشهير مانيتون السمنودي الذي عَرَّف إيزيس بالشخصية المحورية في الأسطورة، وذلك لدورها الحيوي في إرجاع أوزوريس للدنيا، ولكونها أنجبت الوريث، هذا الرمز يضمن استمرار البشرية حرصاً منها على استقرار الحياة على الأرض.

وعلى هذه الخلفية، فقد لَعَبت إيزيس دورًا رئيسيا في شعائر وطقوس الحياة الدينية في مصر القديمة وكانت أيضاً شخصية محورية في الشعائر العقائدية وأثناء طقوس الدفن وفي النصوص السحرية والتعاويذ لكل ما يتعلق بالحياة والموت.

أما في فنون النحت والتصوير في مصر القديمة فكانت إيزيس، تُمثَّل على شكل أُنثى تضع رمزاً يشبه العرش على رأسها كتاج تنفرد به دون أحداً غيرها.

سمات الإلهة إيزيس

وأثناء الدولة الحديثة، أخذت السِمَات الخاصة بآلهة أخرى متعددة من أهمها سِمَات الإلهة حتحور، إذ أصبحت إيزيس تُمثَّل وعلى رأسها قرص الشمس بين قرني بقرة وكانت رمزاً للرخاء والسخاء.

Egyptian goddess Isis kneeling with traditional magic wand made with quartz, amethyst crystals, wood and feathers on dark midnight blue background

فبالرغم من أن العامة يعرفون إيزيس و أوزوريس، على أنهما شخصيتان من التاريخ المصري وكثيراً ما يتساءلون عما إذا كانا من الإنس أو الجن؟ بل وأنهم لا يربطون وجودهما بتاريخهما وبجعرافية المكان الذي شهد تفاصيل أسطورتهما الخالدة على أرض مصر.

في الحقيقة، جعلت إحدى روايات الأسطورة من جزيرة “فيلة” والتي تقع في مدينة أسوان حالياً مهداً لقصة حب إيزيس وأوزوريس، هذه الجزيرة البعيدة المحيطة ببحر عجاج، تتلاطم فيه تيارات المياه المندفعة من الجنوب والتي ترتفع من حولها الصخور كجبال حصينة، عُرِفت منذ القِدَم بـ“جبل الجنادل” وأحياناً أخرى جبل “الثكلى” أي جبل المرأة التي فقدت عشيقها / زوجها.

وعلى سبيل المثال، فقد قام الجغرافي العربي الشريف الإدريسي بوصفها في كتابه “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”: “وإلى جبل الجنادل، تصل مراكب السودان، ومنها ترجع، لأنها لا تقدر على النفوذ في السير إلى بلاد مصر، والعلة المانعة لذلك، هو هذا الجبل، الذي هو قليل العلو من جهة بلاد السودان، ووجهه الثاني مما يلي أرض مصر، عالياً جداً”.

ولكي نتفهم سياق الحلقات التالية، دعونا نجول في أروقة عالم الأساطير بفكرها الفلسفي الذي شَكَّل قوام العقيدة القديمة ومن ثم الهوية المصرية.

معبد فيلة في أسوان

فلسفة الأساطير

منذ تواري الأزمنة “الفرعونية” كما أسماها علماء الآثار والحضارة المصرية القديمة، وقع خلط كبير وتشابك وتضافر بين العقائد القديمة والنظم الأسطورية، وكذلك تداخل مع الثقافات الجديدة التي تنامت هنا وهناك في الشرق والغرب، وبدا كذلك واضحاً وجلياً أن النظم الأسطورية المصرية التي رتبت ووصَفَتْ الآلهة وذوي الصفات الخارقة والمعجزة كانت طاغية بسحرها وألغازها وكانت جديرة بأن تؤثر في تلك الثقافات أي كان عمقها.

وبما أن نور المعرفة التي انبثقت من ضفاف النيل كان يعتبر كـ“توأم” المعتقد الديني، فعلى سبيل المثال، اتصلت عقيدة الشمس بعلوم السماء والفلك، فقام المصري بدراسة عميقة لصفحة السماء ورصد حركات الشمس في أبراجها وكان ذلك في الحقيقة دافعاً مؤسساً للحضارة المصرية التي تعتبر واحدة من أهم حلقات تطور البشرية ووجهاً هاما في ثورة المعرفة التي نَمَت في مصر واستطاعت أن تربط بين قوانين الظواهر الطبيعية كفيضان النيل وحركة الشمس والقمر.

وقد تجلت هذه الدراية وهذا الشغف بالمعرفة بتَوَصُل المصريين إلى فكرة إنشاء دولة مركزية على ضفاف النيل وإدارتها وفقاً للتقويم الشمسي الذي قُسِمَت على أساسه السنة إلى فصول وأيام، ضابطة للمواقيت بدقة بالغة.

المصريون القدماء يجسدون الحياة على ضفاف النيل

فقد نظر المصري القديم إلى الحياة بنظرة فلسفية وكأنها تدور في أفلاك ثلاثة مرتبطة بالظواهر الطبيعية، تُكمل بعضها البعض: الدورة الكونية، أول هذه الأفلاك وهي حركة الشمس بين شروق وغروب، ومن ثم حركة القمر الذي يبزع ثم يأفل بانتظام دوري. والدورة الحياتية والتي تتلخص في رحلة الإنسان (المرئية)، تليها رحلة ما بعد الموت (غير المرئية)، واستكمالاً لهاتين الدورتين المتماثلتين، تأتي دورة فيضان النيل لتكون بمثابة الفلك الثالث، حيث يَهُب الفيضان كالمارد الأعظم من بئر عظيم بين صخور الشلال الأول ثم يفيض في اتجاه الشمال لينحسر بعد ذلك في نقطة قرب منطقة المقطم، وهنا يتجلى الفكر الفلسفي ليرى أن جزءًا من المياه يندفع نحو الدلتا بينما يعود الجزء الآخر من المياه في اتجاه الجنوب في رحلة عودة غير مرئية إيذاناً بدورة جديدة لفيضان النيل في آنه من كل عام (الموافق لشهر يوليو في الروزنامة الحديثة).

ومن هنا ندرك أهمية هذا الفكر العقائدي الذي أسس عليه أجدادنا المصريين الحياة على ضفاف النيل بل وربطوا به أساطيرهم فنعرف أن- وفقاً لما جاء في الأسطورة- عودة جسد أوزيريس إلى مثواه الأخير في قلب “جزيرة بيجة” يكون الأمل في عودة فيضان النيل، وبالتالي الأمل في عودة الحياة الآمنة والمستقرة لكل من يعيش على أرض مصر.

وفي رحلة عودة جسد “أوزوريس” إلى منطقة الشلال الأول، يلعب التمساح، هذا الحيوان البرمائي دوراً محورياً، في مساعدة إيزيس لنقل معشوقها أوزوريس -بعد لملمة أشلائه من هنا وهناك على ضفاف النيل- وكأنه “عبَّارة” أو “وسيلة الانتقال” تبحر بأمان وسلام إلى “جزيرة بيجة” لدفن زوجها كي يُأذن هكذا -وفقاً للأسطورة- ببدء دورة جديدة للفيضان.

إيزيس

عن د. جيهان زكي

عضو مجلس النواب، الرئيسة السابقة للأكاديمية المصرية للفنون بروما، أستاذ علوم المصريات بمركز البحوث العلمية بجامعة السوربون الفرنسية، عملت مستشاراً للشئون الخارجية والمنظمات الدولية فى وزارة الآثار، ثم مستشارًا لمنظمة اليونسكو بمكتبها الإقليمي بالقاهرة. نالت العديد من الجوائز والأوسمة منها وسام فارس من الطبقة الوطنية بفرنسا، كرمتها اليونسكو عام 2015 ضمن 70 امرأة مؤثرة حول العالم، وفي نفس العام حصلت على الوردة البرونزية الإيطالية" التي تعد أرفع وأقدم الأوسمة في مجال التواصل بين الشعوب بإيطاليا، ووسام "شجرة الإنسانية" فى 2017 لدورها فى إعلاء لواء الفكر والفن ومد جسور التواصل الثقافى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *