أحدث الحكايا

قراءة في سيرة مؤرخ الهامش المصري “حمدي أبو جليل”.. الحكاية تولد من الأطراف

كتب.. هاني سمير

هُناك كُتّاب يكتبون عن الهامش من بعيد، وهناك من يخرجون منه محملين بهمومه وأوجاعه ليسجلوها في كُتب وحكايات؛ ومن هؤلاء كان “حمدي أبو جليل” الذي تعامل مع المهمشين ليس كمادة أدبية، بل كحياة عاشها بكل تفاصيلها.

ينحدر أبو جليل من جذور بدوية من محافظة الفيوم، ومثل أي شاب ظل يحلم بالسفر إلى القاهرة لتحقيق حلمه؛ لكنه لم يجد طريقًا مفروشًا بالورود، بل وجد فرصة عمل في مجال البناء حيث عمل “فاعلاً” قبل أن يصبح واحدًا من أبرز الأصوات السردية في العقود الأخيرة. ولم تكن تلك التجربة مجرد محطة عابرة في حياته، بل أصبحت جزءًا أصيلاً من مشروعه الأدبي، وكان لها أثر بالغ في تكوين نظرته إلى المجتمع والسلطة والهامش والإنسان.

 

 

الكاتب والروائي المصري حمدي جليل

 

 

ففي ضاحية المعادي الهادئة، استقبلت كرم يوسف، صاحبة دار “كتب خان”، في حديقة المكتبة باقة من أبرز الكتّاب والشعراء، للحديث عن الإرث الثقافي للكاتب حمدي أبو جليل الذي رحل عن عالمنا في عام 2023، والذي عُرف عنه حُبه لسرد حياة المهمشين في أعماله الأدبية.

وحول هذا الإرث الأدبي، استعادت الناقدة والأكاديمية الدكتورة نيفين النصيري محاولاتها الأولى في الكتابة باللغة العربية، وكانت عن رواية “لصوص متقاعدون” لحمدي أبو جليل. وعن هذه الدراسة النقدية قالت:

“إن حمدي هو صوت المهمشين، فقد استطاع ببساطة منح الهامش المصري صوتًا سرديًا بالغ الثراء والتعقيد”.

مؤكدةً: “أنه قادر على تحويل أقسى التجارب إلى حكاية، ومواجهة الألم بالضحك، وكشف تناقضات المجتمع دون ادعاء أو خطابة”.

 

دكتورة نيفين النصيرى متحدثة عن رواية “لصوص متقاعدون”

 

فحمدي -كما ترى النصيري- استطاع أن ينقل مركز الحكاية والمعرفة من المركز إلى الأطراف أو المهمشين حتى يكونوا قادرين على إنتاج المعرفة، وهذا ما ظهر في رواية “قيام وانهيار الصاد شين” حيث كتب ملحمة ساخرة، لم يكتفِ فيها بتفكيك سلطة المركز بل فكك سلطة الهامش أيضًا؛ لأنه يراه أحيانًا منتجًا للعنف والذكورية والهيمنة رغم أنه ضحية.

بينما كشف الروائي حسن عبد الموجود، كيف نضجت صداقته مع أبو جليل على الهزائم الكارثية لمنتخب مصر مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية، وحبهما لمتابعة كرة القدم معًا رغم النحس المصاحب لهما، والذي لم ينفك إلا عندما قرر كل منهما مشاهدة المباريات بمفرده.

ويؤكد عبد الموجود، أن أبو جليل حكاء من الطراز الرفيع، لا تمل من سماع حكاياته ونوادره وقفشاته الساخرة، مما جعله الصديق الأقرب له، خاصة أن جلساته معه كان عنوانها الضحك والسخرية، وهذا ما تراه في أعماله الروائية التي تحكي عن حياة المهمشين بأسلوب لا يخلو من التهكم الساخر.

 

 

ضيوف الندوة

 

فهذه السخرية لم تكن مجرد أسلوب لغوي, بل كانت طريقته في النظر إلى العالم؛ ولذلك كانت شخصياته الروائية قريبة من الناس، تحمل هزائمهم اليومية وأحلامهم الصغيرة، ورغم هذا لم تفقد قدرتها على السخرية والضحك، فبهذا الأسلوب يواجه المهمشون قسوة العالم.

هؤلاء المهمشون الذين منحهم أبو جليل عُمره الأدبي لتسجيل أصواتهم وتفاصيل حياتهم اليومية في أعماله، فصنعوا منه تجربة أدبية فريدة من نوعها؛ حيث استمع لمن غفل عنه الجميع، وهم أبناء الطبقات الدنيا والمهمشون الذين تراهم كلما فتحت إحدى رواياته. فهو، كما عرفه القارئ دائمًا، الحكاء البدوي الساخر المحب للهامش.

 

 

عن شهرزاد

المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *