أحدث الحكايا

«من الخوف إلى الحرية».. رحلة استثنائية لسيدة مصرية (٢)

ومن المنيا إلى الإسكندرية انتقلت محفوظ للالتحاق بكلية الحقوق بعد صراع كبير مع العائلة لتستقر هناك حتى تنتهي من دراستها التي مثلت مرحلة مهمة في انفتاحها على العالم واختلاطها بمختلف التيارات السياسية التي كانت تموج بها جامعة الإسكندرية آنذاك.

ثم زواجها من الدكتور أحمد القشيري، الذي كان في بداية طريقه للحصول على درجة الدكتوراه في القانون، وبحسب ما حكت كان ما شجعها للارتباط به رغبتها في استكمال دراستها العليا للقانون في فرنسا، ولم يكن هذا ممكنًا لرفض الأسرة، لذا جاء القشيري مناسبًا جدًا لها إذ كان يدرس للحصول على درجة الدكتوراه في فرنسا، واستوقفني هنا مشهد شديد الطرافة روته عن ليلة زفافها، يكشف عن جانب مرح في شخصية د. عفاف فتقول:

“يوم العرس ركبت سيارتنا الشيفروليه الصفراء الضخمة مع الأسطى محمد لأذهب للحفل في قصر المنتزه. تعطلت السيارة على الكورنيش، كان مستحيلا أن أنزل بفستان الفرح لأستقل “تاكسي”. انتظرنا حتى لمحتنا سيارة أصدقاء متجهة لحضور العرس فتوقفوا وأخذوني معهم.

أقيم احتفال الزواج في قصر المنتزه بفضل علاقات أسرية للدكتور القشيري مع ضابط شرطة يدعى محمد إبراهيم دكروري، كان أول فرح يعقد في المنتزه بعد الثورة، وقال دكروري ساعتها: “الملك مشي لكن القصر موجود بكل أطقمه”. وفعلا حصل لنا على إذن بإقامة الفرح هناك بفضل علاقاته ووظيفته التي صار بها مسؤولا عن بعض الممتلكات المؤممة”.

 

وهي هنا تشير إلى عمي د. محمد إبراهيم دكروري، البرلماني العتيد فيما بعد ورئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب، وأستاذ الاقتصاد الدولي، إذ ترك الشرطة بعد التحاقه بجامعة الإسكندرية التي نجح فيها بتفوق سمح له بالسفر إلى أمريكا ليبدأ مسيرة طويلة ومشرفة، ولهذا سياق آخر لكن المهم هنا الإشارة إلى صلة قرابته لدكتور أحمد القشيري من ناحية الأم التي تنتمي إلى عائلة القشيري، من عائلات المنيا المعروفة، والتي جعلته قريبًا من الأسرة وشاهدًا على الكثير من المحطات الفارقة فيها.

 

 

د.محمد إبراهيم دكروري

بهذا الزواج وبعد سلسلة من التعقيدات تحقق حلم الدكتورة عفاف بالسفر لباريس في ستينيات القرن الماضي في أوج صراع الأيديولوجيات الكبرى وتجاذباتها التي لم تترك شيئًا أو شخصًا إلا وألقت بظلالها عليه، وعفاف في خضم علاقة زوجية معقدة ودراسة لتخصص لم ترغب فيه انجذبت لعالم التحليل النفسي، مع الدكتور مصطفى صفوان، وجاك لاكان.

وانقسمت حياة عفاف في باريس إلى فترتين؛ الأولى للدراسة، يحصل كل منهما على الدكتوراه في القانون، ثم العودة إلى مصر ومعاودة السفر إلى باريس لمرافقة زوجها كملحق ثقافي للسفارة المصرية هناك.

وفي الفترتين، عاشت عفاف حياة عريضة تعرفت فيها على كل الأسماء اللامعة في هذه الفترة واقتربت بشدة من الصراع العربي الإسرائيلي، حيث كانت تعد رسالتها عن النظام المصري آنذاك وآليات فرض اشتراكية الدولة من أعلى، والتي ناقشتها بعد الهزيمة في يونيو 1967 بشهور قليلة، كما سردت تأثير الهزيمة على العرب والمصريين في فرنسا.

 

د.عفاف محفوظ وزوجها الأول د.أحمد القشيري
د.عفاف محفوظ وزوجها الأول د.أحمد القشيري

 

تلى هذه الفترة سفرها إلى بيروت رفقة زوجها للتدريس هناك، فتعرفت على الدكتور زكي نجيب محمود، التي تقول محفوظ إنه تبناها فكريًا، وفي بيروت أيضًا تعرفت على أحمد بهاء الدين، وأمينة السعيد.

بعد ذلك تعود، ونعود معها إلى مصر السبعينات وعملها بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية مع محمد حسنين هيكل ومحمد سيد أحمد، التي تقول محفوظ عنه: “علمني كثيرًا وساعدني بشكل منهجي”، كما تعرفت في تلك الفترة على توفيق الحكيم، ويوسف إدريس، ولويس عوض، واستعادت علاقتها بأحمد بهاء الدين.

 

في نهاية السرد نكتشف أننا أمام جدارية ضخمة شديدة العذوبة والجمال، تفاصيلها من فسيفساء هي مواقف من حياة عفاف الإنسانية التي اتسمت في أغلبها بالصدق والاتساق مع النفس، صدق التساؤل وصدق البحث عن إجابات، والانحياز لكل ما هو إنساني.

 

عن إيهاب دكروري

إعلامي وقاص مصري، كبير المذيعين بالتلفزيون المصري، قدم العديد من البرامج الثقافية الناجحة وساهم في تقديم المبدعين والكتاب في المجالات الثقافية المختلفة. صدرت له المجموعة القصصية «حامل الراية»، كما كتب في الدوريات والصحف المصرية المختلفة. عمل في مجال الإنتاج الإعلامي بتأسيسه لشركة «ميديا آرت كونيكشن» المعنية بصناعة الوثائقيات والبرامج الإعلامية، وصنع عددا من الأفلام الوثائقية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *