المتحف المصري الكبير.. حين يروي الحجر من نكون!

لا يُقدَّم المتحف المصري الكبير كتحفة معمارية فحسب، بل كرسالة مرئية من بلدٍ قرر أن يروي ماضيه بصيغة الحاضر. كل تفصيلة في بنائه – من الجدران المائلة إلى البهو المهيب – هي جملة في خطاب طويل عن مصر التي تحررت من أسر التاريخ، لتجعله حليفًا في سرد حاضرها.

 

 

كل زاوية بالمتحف تذكرنا بالماضي، لكنها تؤكد أن مصر تغيّرت. فلا يكتفي بعرض الآثار في صناديق زجاجية، بل يصوغها في سرد بصري متجدد. هناك تتجاور المومياوات مع شاشات العرض الذكي، وتتقاطع النقوش القديمة مع واجهات تفاعلية، فيتحول المشاهد من متفرج إلى شريكٍ في الحكاية.

 

 

قناع توت عنخ آمون لا يلمع فحسب، بل يتنفس عبر هولوجرام دقيق يعيد رسم ملامح الملك الصغير، كأن الحاضر يمد يده ليصافح الماضي. الضوء نفسه يتحول إلى راوٍ يحرك الزمن كصفحة تُقلب أمامك ببطء.

 

وحين ترتدي نظارة الواقع المختلط، تجد نفسك داخل غرفة دفنٍ قبل ثلاثة آلاف عام. الجدران تزهو بنقوشٍ مضيئة، وصوتٌ خافت يهمس بلغاتٍ نُسيت. لوهلة، لا تدري إن كنت تسير في المتحف أم داخل التاريخ نفسه. تلك التقنية – HoloLens – المستخدمة في القاعات لا تكتفي بعرض الأثر، بل تُدخلك فيه، لتصبح جزءًا من القصة التي تحكيها الجدران.

 

 

أما المختبرات المخبأة خلف القاعات، فيعمل فيها المرممون على إعادة الزمن حرفيًا؛ تُفحص القطع، وتُقاس الرطوبة والحرارة بأنظمة ذكية لا تسمح بخطأ ولو بدرجة واحدة. كل مومياء تنام في غرفة محكمة، الضوء فيها محسوب بدقة. هكذا تُستعاد ملامح الحضارة، لا بفرشاة المرمم فقط، بل بذكاء الأجهزة التي تفكك الغبار إلى ذرات معرفة.

 

 

وفي الخارج، تتقاطع ظلال الهرم مع زوايا المتحف، وتتداخل واجهة المتحف الحجرية مع هرم خوفو في مشهدٍ يصعب فيه التمييز بين القديم والحديث، فيكتمل المشهد.

في هذا اللقاء بين الصحراء والحداثة، يقول المتحف ما عجزت الكلمات عن قوله:

 

        إن مصر لا تُعرَض في المتاحف… بل تُعاد ولادتها فيها.

عن ابتسام أبو الدهب

كاتبة صحفية، تخرجت من قسم الآثار المصرية بكلية الآثار جامعة القاهرة عام 2015، وتستكمل الدراسات العليا لنيل درجة الماجستير بنفس القسم. تعمل في الصحافة منذ عام 2011، في عدد من الصحف المصرية والمواقع العربية، ترأست قسم الأخبار والتحقيقات بجريدة القاهرة عام 2022. وتعمل حاليا بمجلة البيت الصادرة عن مؤسسة الأهرام، ومُعدة بقناة الحياة، كما تعمل كمدربة للأطفال بمشروع "أهل مصر" منذ عام 2019.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *