الطواف من الحارة إلى الحرم في أدب نجيب محفوظ

هاني سمير :

في عالم نجيب محفوظ الروائي، تُعد الحارة رمزًا مصغرًا للعالم، بما فيها من أزقةٍ وبيوتٍ قديمة وتكايا وأسبلة ومقاهٍ؛ فهي عالمه الحاضر دومًا في أعماله. وبين هذه الأماكن يطوف البشر نهارًا وليلًا في حركة لا تتوقف، كما كان يرى تدفق الناس أنهارًا إلى مسجد الحسين يوم الجمعة في حي الجمالية منذ صغره.

شاهد محفوظ أيضًا في الحرم المكي البشر في حركة لا تنتهي، يرجون رحمة الله، وهذا ما دونه في كتاباته رغم أنه لم يذهب إلى الحج؛ غير أنه رأى كيف ينظر الناس في الحارة المصرية بإجلال واحترام لمن زار البيت الحرام، حيث يضعون لقب “حاج” قبل اسمه، فكان يكتسب بذلك مكانة عالية بين الناس.

كما أنه رأى أن الطواف ليس حركة تعبدية فحسب، بل حركة توضح دقة الإنسان في مسيرته بالحياة، وبحثه عن إجابات لأسئلة ما زالت تؤرقه هنا أو هناك، في حركة لا تتوقف؛ كمن يذهب إلى المشايخ أو التكايا أو الأضرحة، باحثًا عن فرصة للنجاة، وإلقاء ما يحمله من هموم.

هذا العالم وصفه بدقة في ثلاثية القاهرة “بين القصرين، وقصر الشوق، والسكرية” التي رصد فيها الهندسة المعمارية للحارة المصرية، وكيف أن كل جزء فيها له وظيفة دينية قبل أن تكون له وظيفة سكنية، مثل المشربيات أو المداخل المنكسرة وغيرها من العناصر المعمارية التي تميز المنازل القديمة في حي الجمالية.

هذا بخلاف رصده لنظرة الناس لمن ذهب إلى الحج، وكيف كانوا يرفعونه إلى مكانة عالية لشرف زيارته البيت، فكان لزامًا عليهم أن يسبقوا اسمه بكلمة “حاج”، كما حدث مع ياسين بعد عودته من الحج.

على النقيض من هذا، نجد في رواية “زقاق المدق” أن الحج وزيارة البيت يظهران كالحلم الدائم الذي لا ينفك عن صاحبه؛ فرغم العجز المالي يظل الحلم باقيًا ببقاء صاحبه في هذه الدنيا. وها هي “المعلمة سنية” التي تمنت زيارة بيت الله الحرام قبل الموت ولكنها عجزت عن ذلك؛ فالحج عند البسطاء هو المكافأة التي يتمنون نوالها في كبرهم أو قبل الرحيل عن الدنيا.

بينما في الرواية نفسها، يسجل مشهد وداع من كان ذاهبًا للحج، وكيف يُحمّله الجميع الدعوات والتهاني، مثلما حدث مع السيد رضوان الحسيني في بيته قبل سفره.

والتكية هي قبلة الأجيال المتعاقبة في رواية “الحرافيش”، حيث جعلها محفوظ المبتدأ والمنتهى لشخوص روايته، فهي شاهدة على فتوات الحارة ما بين صعود وهبوط، وعلى أحوال الناس ومآلاتهم، وأفراحهم وأحزانهم؛ فحضور التكية في الرواية وقدوم الناس إليها يشبهان فعل الطواف.

ورغم أن كل جيل ظن أنه خرج من الحارة وابتعد عن التكية وعالمها الروحي، إلا أنه عاد إليها من جديد، محملًا بالهموم، متمنيًا النجاة مما هو فيه والخلاص.

وهنا، نجد أن محفوظ نظر إلى الحارة كمكان مقدس يرحل عنه الإنسان ويعود إليه، لا يمل من السعي فيه ملتمسًا السكينة والطمأنينة، والخلاص من الهموم، والبحث عن السعادة؛ وهكذا تُعيد الحارة تشكيل الإنسان من جديد حتى يكون قادرًا على مواجهة الحياة.

فالحارة المصرية والحرم المكي لدى محفوظ، مكانان يطوف فيهما الإنسان سعيًا للخلاص وبدء حياة جديدة، في مكان ليس مجهولًا بالنسبة إليه، وإن رحل عنه جسدًا يظل باقيًا فيه روحًا، ويرغب دومًا في العودة إليه؛ ذلك لأن المكان عنده هو الحدث القادر على صياغة مشاعر الإنسان وأفكاره من جديد.

 

 

عن شهرزاد

المحرر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *