لم تكن تحية كاريوكا مجرد راقصة صنعت اسمًا كبيرًا في تاريخ الفن المصري؛ فخلف الصورة البراقة التي حفظها الجمهور عنها، كانت هناك امرأة تبحث، وتقرأ، وتتأمل، حتى صارت الكتب جزءًا أصيلًا من تكوينها، ثم انتهى بها المطاف لتصبح هي نفسها موضوعًا للأدب والكتابة.
في بدايات الصبا، رأت الصحافة في الراقصة الشابة مفارقة تستحق التوقف؛ كامرأة تعمل في الصالات لكنها حريصة على تلقي دروس في الفرنسية، وتظهر حاملة مؤلفات كبار الأدباء. وتذكر مواد صحفية منشورة في مجلة «الكواكب» أنها كانت تتردد على صالة بديعة مصابني وهي تحمل بين يديها كتب طه حسين، وعباس العقاد، وتوفيق الحكيم، فارتبطت صورتها مبكرًا بلقب «الراقصة المثقفة»، وهو حضور فريد ومغاير تمامًا للوسط الفني في ذلك الزمن.
مذكرات تحية كاريوكا في مجلة الكواكب
ويبرز اسم الفنان الراقي سليمان نجيب بوصفه علامة فارقة في هذه المرحلة؛ إذ شجعها ألا تكتفي بالرقص والتمثيل، بل أن توسع مداركها بتعلم اللغات وقراءة روائع شكسبير، وموليير، وديستويفسكي، بجانب أقطاب الأدب العربي. ولم يتوقف دوره عند التوجيه الثقافي، بل شجّعها على اقتحام عالم السينما من أوسع أبوابه، وتحديدًا حين شاركت في بطولة فيلم «لعبة الست» أمام نجيب الريحاني، لتخطو خطوتها الأولى نحو التحول من راقصة إلى ممثلة شاملة أدركت أن الكتابة والثقافة هما جناحا الموهبة الحقيقية.
بعد سنوات، أخذت الحكاية منعطفًا أعمق حين لم تعد كاريوكا مادة صحفية يتناولها الآخرون، بل مصدرًا حقيقيًا لسيرة حياتها. ففي مطلع السبعينيات، جلس الكاتب الكبير صالح مرسي معها ليدون جانبًا من ذكرياتها، ونُشرت المذكرات تباعًا في مجلة «الكواكب» بين سبتمبر 1970 ومارس 1971 على مدى نحو ثلاثين حلقة. وقد نال هذا السرد إعجاب نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم لصدقه وجرأته، حتى اقترح محفوظ لها عنوان «قصة راقصة»، ليضع هذا التقدير الرفيع مذكراتها في منزلة فريدة تتقاطع فيها الصحافة مع الأدب والسيرة.
ويُذكر في هذا السياق قربها من دائرة الشعراء الكبار أمثال مأمون الشناوي وكامل الشناوي، بحسب ما يرويه الناقد طارق الشناوي.
وتشهد كواليس حياتها الإنسانية على جوانب خفية؛ إذ نشأت الفنانة رجاء الجداوي في بيت خالتها كاريوكا الذي وُصف مرارًا بأنه «صالون فني وأدبي». وحين داهمتها محنة الاعتقال في خمسينيات القرن الماضي، لم تنكسر، بل تروي الشواهد كيف كانت تردد أبيات الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي لتخفف بها عن رفيقاتها عتمة المعتقل.
هذا الحضور الثقافي لم يقف عند حدود القراءة، بل ألهم كبار المبدعين؛ فقد كتب عنها إبراهيم ناجي قصيدة بعنوان «راقصة» عام 1960، وحوّل صالح مرسي محطات حياتها إلى سرد أدبي، وصولًا إلى المفكر العالمي إدوارد سعيد الذي كتب نصه الشهير «تحية إلى تحية»، ونُشر أولًا في مجلة «لندن ريفيو أوف بوكس» عام 1990 قبل أن يظهر بالعربية في مجلة «الآداب»، محاولًا تفكيك صورتها الاستثنائية داخل بنية الثقافة المصرية وتحولاتها.
ولم تكن كاريوكا متلقية فحسب، بل خطّت بقلمها مقالات نشرتها في «الكواكب»، مثل: «ثلاثة دروس قاسية من حياتي» عام 1954، و«تعب السنين» عام 1959. لقد أثبتت أن الموهبة الفطرية وحدها لا تقيم فنانًا، فاقتربت من الكتب بفضول الشغوفين، حتى أصبحت هي بذاتها كتابًا مفتوحًا في تاريخ الإبداع المصري.
شهرزاد

